خطبة الجمعة : 19 جوان

وجودُ الله جلّ و علاَ .. الإقلاعُ بالإيمانِ والكيانِ من دائِرَة التجريدِ و الجفافِ والتعوُّد ، إلى فضاءِ الإحساسِ والاستئنَاسِ والتذَوُّق ! - الخطبة الأولى جمعة رمضان 1436هـ - .
الاستفتاحُ بخطبة الحاجة، ثم أما بعد :
معشر المؤمنين :
أَعَزُّ كَلِمَةٍ في الوُجودِ و أجَلُّهَا و أعظَمُهَا و أفخَمُهَا :
" الله " . . ! :
الله يا أعــــذب الألفاظ فـي لغتـــــي
ويا أَجَلَّ حـــرُوفٍ فِي مَعَانيــــــها
الله يا أمتع الأسمـــــــــاء كم سعدت
نفسي وفاض سروري حين أرويها
الله إن جاءت الدنيـــــــا بضائقة
فالجأ إليها ففيها ما يجليهـــــــا
الله تهتـــز أرواح لهيبتهـــــــــتا
وترتقي وهي جَذْلَى في مراقيها
الله . .الله كـــم لله مـن أثـــــــــــــر
في مهجتي أي أوزان ستبديهـا
الله أجمل ما نتلوه أحســــــن ما
يروي ضمائرنا طهرا ويسقيهـا
الله ما سكنت قلبــــــــــا فبات له
في ظلها من معاناة يعانيهـــــــا
الله ما رتل الوجدان روعتهـــــا
إلا وأمسى قرير النفس راضيها
الله تبتسم الآمال يشــــــرق في
أرواحنا النور إن نادى مناديها
الله تسمو نفوس الهائمين بهــا
وينتشي كل صب عند حاديهـــا
الله غيث من الرضـــوان أودية
سلسالةٌ تطرِب الأرواح تحييها
الله نور سمــــــــاوي يهيج من
لواعج الأنفس العطشى ويذكيها
الله يا سلوة للقلب يا أمــــــــلا
يرى المحب أفانين المنى فيها
الله يا أحرف الإجلال ليس لها
من أحرف في مزاياها تساميها
اللهُ فيها إجاباتي و أسئِلتِي
و من معاني الرّضَا الحُبّ صافيهَا
الله يا عطر هذا الكون يا مددا
يفيض لطفا وإحسانا وتنزيها
اسم تسمّى به الباري فكان كما
أراد يَعْبَقُ إجلالا وتأليهـــــــا
قال الجسَدُ للرُّوح : أيتها الرُّوحُ أبشِرِي ! . .لقد حفظتُ خمسَةَ أدلَّةٍ على وجودِ الله ! .
قالت الروحُ للجَسَد : . . بَخٍ بَخْ . .! ، اسكُت أيها الجسدُ المُتَهالِكُ اسْكُتْ . . !
وُجودُ مَنْ أيُّهَا المسكِينْ . . ؟؟! . . واللهِ قَتَلَنِي الحياء . . !
. . وُجودُ مَنْ لا يغيبُ عن عِلمِهِ غائِبْ . . ولا يَعْزُبُ عن نظره عَازِبْ . .؟! [ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين ] ( يونس:6 ) .
. . بَخٍ بَخْ . .! ؛ وُجودُ مَن أيُّها المسكِينُ البائِس ؟؟! . .
واللهِ قَتَلَنِي الحياء . . !
. . وُجودُ الذِي ابتلى إبراهيمَ بِكَلِمَاتْ . . وسمع نداء يونس في الظلماتْ . . واستجاب لزكريا فوهبه على الكبر يحي هادياً مهديَّا . . وحناناً من لدنه وكان تَقِيَّا . . أزال الكَرب عن أيوبْ . . وألاَنَ الحَدِيدَ لداودْ . . وسَخَّرَ الريح لسليمانْ . . وفَلَقَ البحر للكليمِ موسَى . . ورَفع إليه عبدَهُ و رَسُولَهُ عِيسَى . . ونجّى هوداً وصالحاً من الظالمين . . وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم . . وفَدَى إسماعيل بِذِبْحٍ عظيم . . . وجعل عيسى وأمَّهُ آية للعالمين . . وشَقَّ القَمَرَ لمحمد صلى الله عليه وسلم . . . . ؟!
. . وُجودُ الذِي يغفر الذنبَ ، ويفرّج الكرب ، ويرفع أقواماً ، ويضع آخرين ، يحيي الميت ويميت الحي ، ويجيب الداعي ، ويشفي السّقيم ، و يعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، يجبر الكسير ، ويغني المحتاجَ الفقير، ويعلم الجاهل ، ويهدي الضال ، ويرشد الحيران ، ويغيث اللهفان ، ويَفُكُّ العاني ، ويُشْبِعُ الجائع ، ويكسو العريان ، ويشفي المريض ، و يُقِيلُ العثرات ، ويستر العورات ، ويُؤَمِّن الروعات ، ويعافي المبتلين ، ويقبل التائبين ، ويجزي المحسنين ، وينصر المظلومين ، ويقصم الطغاة المتجبّرين . . ؟!
وُجودُ مَنْ أيُّهَا المسكِينْ . . ؟؟!
وُجودُ الذي جلّ جلالُه . . وطابَ وِصالُه . . من أقبل إليهِ تلقّاه من بَعِيدْ . . ومن أعرض عنه ناداه من قريبْ . . ومن ترك مِنْ أجْلِهِ أعطاه فوق المزيدْ . . ومن أراد رضاه أرادَ ما يريدْ . . ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديدْ . . يشْكُرُ اليَسِيرَ من العَمَل . . ويَغْفِرُ الكَثِيرَ من الزّلَلْ . . أهلُ ذِكْرِهِ هم أهل مُجَالَسَتِهْ . . وأهلُ شكره هم أهل زيادته . . وأهل طاعَتِهِ هُم أهْلُ كَرَامَتِه . . وأهلُ مَعْصِيّتِه ِلا يُقَنّطُهُم من رَحْمَتِه . . يبتلي بالمصائبِ ليطهِّرَ من المعايِب . . الحَسَنَةُ عنده بِعَشْرِ أمثالِهَا إلى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفْ . . إلى أضعافَ كثيرة . . والسّيّئَةُ عِنْدَهُ بواحِدَة . . فإن نَدِمَ عليهَا العبدُ واستغفر غَفَرَهَا له . . !
. . من تقرّب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً .. ومن تقرّب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً . . ومن أتاه يمشي أتاه هرولة . . فالباب مفتوح ولكن أينَ من يَلِجْ ؟! . . والمجالُ مفسوح ولكن أينَ من يُقبِل؟! . . والحبل ممدُودٌ ولكن أينَ من يتشبث به؟! . . والخير مبذول ولكن أينَ من يتعرض له؟! . . أين الباحثون عن الأرباح . .؟! وأين خُطّاب المِلَاح . .؟! أينَ عُشّاق العرائس . . ؟! وطلاّب النفائس . .؟! لا إله إلا الله . . لا إله إلا الله . .لا إله إلا الله . . !
إليهِ وإلاّ لاَ تُشَدُّ الرّكَائِبُ *** ومنه وإلاّ فالمُؤَمّلُ خَائِبُ
وفيه وإلاّ فالغَرَامُ مُضَيَّعٌ *** وعنه وإلاّ فالمُحَدّثُ كَاذِبُ
وُجودُ مَنْ أيُّهَا المسكِينُ البائِسْ ؟؟! . . واللهِ قَتَلَنِي الحياء . . !
قالت الرُّوحُ للجسَدِ المُتعَب في سلاسِلِ المِحَنِ و قيودِ الآهَات و الابتلاءَاتْ . . :
ابتسِم أيُّهَا الجسَدُ البائِسُ . . ابتسِم . . إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين . . ! إي و اللهِ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين . . ! :
يَا دَامِيَ العينَينِ والكَفّينِ . .
إنَّ اللّيلَ زائِل . .! . .
لا غُرفَةُ السجّانِ باقِيَةٌ . .
ولاَ زَرَدُ السَّلاَسِلْ . .! . .
فحُبوبُ سُنبُلَةٍ تجِفُّ . . .
ستملأُ الوادِي سنَابِلْ . .!
هيَّا هاتِ يَدَكَ . . و ابتسِم ؛ فمعَ اللهِ جلَّ جلالُه : سوفَ يرتاحُ البال ، و تتبدَّلُ الأحوال ، و تنفرِجُ الأهوال ، سوفَ يهدأُ الضميرْ ، ويسكُنُ الفؤاد ، وتندمِلُ الجراحْ ، و تتصِلُ ولو في جوفِ المِحَنِ الأفراحْ . .ما يفعلُ أعدَائِي بِي . .ما يفعَلُون . . ؟! ؛ و جنّتِي في صدرِي ! ، أينَما ذهبتُ فهيَ معِي .. لأنّ اللهَ معِي . . ؟!
[ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{194} أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ{195} إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِين ] ( الأعراف :194-196 )
. نسألُ الله التوفيق إلى ما يُحب ويرضَى . أقول قولي هذا و أستغفرُ الله العظيمَ لي ولكم من كل ذب ، إنه هو الغفور الرّحيم
الخطبة الثانية :
معشر المؤمنين : إنّهُ الإقلاعُ بالإيمانِ والكيانِ من دائِرَة التجريدِ و الجفافِ والتعوُّد ، إلى فضاءِ الإحساسِ والاستئنَاسِ والتذَوُّق ! :

إنَّهُ الاستئناسُ و الإحساسُ بوجودِ اللهِ جلّ جلالُه . .! ؛ اللهِ الذي أضحك وأبْكَى ، وأمات و أحيا ، وأسعد وأشقى ، وأوجد وأبلى ، و خلقَ الذّكَرَ و الانثَى ، ورفع وخفض ، وأعَزَّ وأَذَلْ ، وأعطى ومنع ، ورَفَعَ ووَضَعْ . . !
إنَّهُ الاستئناسُ و الإحساسُ بوجودِ اللهِ جلّ جلالُه . .! الذي أرغم أنوف الطغاة ، وخفض رؤوس الظلمة ، ومَزّقَ شمل الجبابرة ، ودمّر سَدَّ مأرَبَ بفأرة ، وأهلك النُّمْرُودَ ببعوضة ، وهَزَمَ أبْرَهَةَ بطيرٍ أبابيل . .!
إنَّهُ الاستئناسُ و الإحساسُ بوجودِ اللهِ جلّ جلالُه . .! إذا حَلَّ في الصدرِ الهَمُّ ، وخَيَّمَ على القلبِ الغَم ، واشتَدَّ الكرب ، وعَظُمَ الخَطْبُ ، وضَاقَتِ السُّبُلُ ، وبَارَتِ الحِيَلُ . .و نَادَى المنادي في الظلماتِ : لا إله إلا أنت سبحانكَ إنّي كنت من الظالمين . . اللهُ اللهُ ربّي لا أُشرِكُ بهِ شيئًا . . . ( لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم ) فإذَا بالهمّ ينفرِج ، و إذا بالكَربِ يتنفّسْ . .. اللهُ أكبَر . . ! ؛ [ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِين ] ( الأنبياء:88 ) .
إنَّهُ الاستئناسُ و الإحساسُ بوجودِ اللهِ جلّ جلالُه . .! إذا اشتد المرض ، وضعف الجسمُ ، وشَحَبَ اللون ، وقلت الحيلة ، وضعفت الوسيلة ، وعجز الطبيب ، وحار المداوي ، وجزعت النفس ، ورجفت اليد ، ووجِفَ القلب ، واتجه العَلِيلُ، إلى العليّ الجليل . . . : يا الله . . . يا الله . . ! ، فزال الداء ، ودب الشفاء ، وسُمع الدعاء . . .اللهُ أكبَر . . ! [ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَءاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِين ] ( الأنبياء:83، 84 )
ماذا تُريدُ أيُّهَا الجسَدُ أكثَرَ من هذه البيّنَات ..؟!
يا راكضاً في ميادين الهوى مَرِحاً *** ورافـلاً في ثِيَـاِب الغَـيّ نشوانـَا
مَضَى الزّمَانُ وَوَلّى العُمْرُ فِي لَعِبٍ يَكْفِيكَ مَا قَدْ مَضَى قَدْ كَانَ مَا كَانَا
لا إله إلا الله . . لا إله إلا الله . .لا إله إلا الله . . !
معشر المؤمنين : أسألُ اللهَ لي ولكم صدقَ الإسلام ، و حلاوةَ الإيمان ، و تذوّقَ جَمالِ الإحسان ، فاللهمّ وفقنا إلى ما تحِبُّ و ترضَى . اللهم حبّب إلينا الإيمان و زَيّنه في قلوبِنا ، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشِدِين . وصل اللهم وسلم على نبيك محمد . . . ..


هل أعجبك الموضوع ؟

هناك تعليق واحد:

  1. إلاهنا و خالقنا ربنا إليك توجهنا و أنبنا ..... توكلنا عليك فلا تكلنا إلى سواك

    ردحذف

كافة الحقوق محفوظة 2015 © ملتقى النبلاء / المبرمج يوسف حجاب