مسألة :

الطلاق و الفِرَاق
في مرحلة ما قبل الدخول
و الآثار المترتّبة عليه فقهًا :
بسم الله و الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله : فقد وعدت أحد الإخوة الأصدقاء في الصفحة تنزيل الجواب حول قضيّته مع التوسيع ليستفيدَ الجميع ، فأقول :
الطلاق بين الزوجين في مرحلة ما قبل الدُّخُول لا يخرُجُ عن أربَعِ حالات من جهة الأسباب :
1 / أن يكونَ الفِراقُ اختياريًّا محضًا من أحدِ الطرفين :
فقد نصَّ الشرعُ في هذا أنَّهُ : إذا كان الفسخ من جهة الزوج دفعَ للمرأةِ نصف الصداق فحسب ، وإذا كان من جهة الزوجة لزم إرجاع كامل الصداق للرجُل :
قال الله تعالى: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاح ﴾ (البقرة:237) .
والهدايا لها حكمٌ خاص و قد اختلف فيها الفقهاء اختلافًا كبيرًا :
و الهدايا في الحقيقة حكمها حكم الهبة والعطية ، هي تبرُّعٌ محضٌ و تمليك بدون عوض ، يجوز للموهوب له التصرف فيها متى ما قبضها وقبلها ، ومن هنا لا يجوز شرعًا الرجوع في الهدية وانتزاعها بدون إذن الموهوب ،لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا يحل لأحد أن يعطي عطيَّةً فيرجعَ فيها،إلاَّ الوالدَ فيما يُعطي ولدَهُ" .
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" .
إلا لشرطٍ أو عُرْفٍ ( يعني إذا اشترطَا شرطًا فالحكمُ للشرطِ ، و إذا كان هنالكَ عرفٌ مستقِرٌّ ثابتٌ واضحٌ في الموضوع في تلك المنطقة فلهُ الفصل ) : فإنه تُحَكَّمُ الأعرافُ في هذا المجال إذا لم يتشارط الطرفان في مجلس العقد .
و طبعًا يمكن القول :
الهدية البسيطة مما اُكِلَ و استُهلكَ فلا حُكم لها كالحلوى وما شابه ، أما الهدايا الأخرى ذات القيمة :
فأعدلُ الأقوال فيها : ما اختاره شيخ الإسلام وابن رشد - رحمهما الله- إذ حفظا مصلحة الزوجين معًا :
إن كان الفراقُ من جانب الرجل لم يحق له استردادها حتى لا يجتمع على المرأة ألم العدول وألم الاسترداد معًا ، وإن كان من جهة المرأة فله استردادها حتى لا يجتمع عليه ألم العدول والغرم المالي معًا .
2 / أن يكونَ الفِراقُ اختياريًّا محضًا من كليهِمَا : وهذا هو الطلاقُ بالتراضِي ، وهو على ما اتّفَقَا عليه في العريضَة ، وهو متروكٌ لهما .
3 / أن يكونَ الفراقُ لإخلاف شرط من الشروط : [ كاشتراطِ السكن المستقل ، أو اشتراط العمل ، أو إتمام الدراسة . . او أي شرط متفق عليه . . ]
ف الطرفُ الذي أخلفَ الشرطَ يعتبرُ المتسبّبَ الحقيقيَّ في الفراق ويتحمَّل المسؤولية على التفصيل السابق :
والأصلُ في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم :"إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" .
وقضاءُ عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه : روى الأثرم أن رجلا تزوج امرأة وشرط لها دارها ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر فقال :" لها شرطُهَا " ، فقال الرجل:" إذًا يُطَلّقْنَنَا" ، قال عمر : " مقاطع الحقوق عند الشروط" .
قال ابن القيم-رحمه الله-:" الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع "(زاد المعاد 5/183 ) .

4 / أن يكونَ لاكتشاف عيب من العيوب التي أخفاها الطرفُ الآخر :
ويُشترطُ في هذا وصفانِ :
أ / أن يتوفَّرَ عنصر الإخفاء [ غش ، تدليس ، غَرَر .. ] .
ب / وكونُ العيب عيبًا حقيقيًّا في الشرع أو العرف .
ففي هذه الحالة يتحمَّلُ الطرفُ المُدلّسُ المسؤولية ويعتبرُ متسببًا حقيقيًّا في الفراق (التنصيف إذا كان من الزوج وإرجاع الكل إذا كان من المرأة) .
أمثلة عن العيوب الحقيقية في الرجل أو المرأة :
الأمراض النفسية و العقلية كالجنون والصرع والاكتئاب .. - الأمراض والإصابات البدنية المنفّرة كالحروق الشديدة والبرص والجذام والصلع في المرأة . .- الأمراض البدنية الخطيرة أو المزمنة [قلب، سكر،ربو ،كلى، "الصرع " ،كبد . . ] – الإعاقات البدنية الدائمة - العيوب الجنسية المتعلقة بالنسل والاستمتاع وما شابه وهي متعددة مذكورة في كتب الفقه .
أمثلة لا تعتبرُ من العيوب فقهًا :
الميل إلى القلق والغضب " مزاج " – الميل إلى الصمت والهدوء " مزاج" - الأمراض الاعتيادية البسيطة غير المزمنة " التي تُعالج " : سواء كانت في الرأس أو الجهاز التنفسي أو الهضمي . . – الإصابات الاعتيادية في البدن : كالحروق البسيطة - والنقص في الأسنان- والآلام المصاحبة للعادة الشهرية- والعَرَجُ البسيطُ غيرُ البيّن – والحَوَلُ البسيط – وارتداء النظارت أو العدَسات المُساعدة . .
ملاحظة: العيبُ الحادثُ بعد العقد (قبل الدخول) ؟ :
[ حادث مرور تسبَّبَ في إعاقة بدنية دائمة ، حادث اشتعال تسبب في حروق شديدة على مستوى الوجه ...] : هذا العيب محضُ ابتلاءٍ لِطَرَفَيِ العقدِ يثبتُ به حقُّ الخيارِ عند جمهور الفقهاء لأنَّ الزواجَ عقدٌ على منفعة يُراعَى فيه ما يُؤثّرُ على تلك المنفعة .
ملاحظة : الشرطُ اللاحقُ في الزواج غيرُ معتبر إلاَّ بموافقة الطرف الآخر :
الشروطُ في النكاح يُعتبرُ أن تكونَ مقارنةً للعقد أو سابقةً عليه لاَ لاحقةً له .
والشرطُ اللاحقُ للعقدِ للطرفِ الآخر الحقُّ في قَبوله أو رفضه ،فإن قَبِلَ فواضحٌ، وإن رفضَ وجبَ على الطرف المُشترِط بعد العقد تحمُّل مسؤولية الفسخ لاجتماع التقصير و التلجئة فيه .
فائدة : المطلقة قبل الدخول لا عِدّةَ عليها :
المرأة المطلقة قبل الدخول،لا عدة عليها،بنص القرآن الكريم،فلها أن تتزوج في اليوم الثاني :
قال الله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾(الأحزاب:49) .
ذلك أن العدة شرعها الله لحكمة عظيمة تتمثل في معنيين:الأول استبراء الرحم،والأمر الثاني أن العدة جعلت سياجا للحياة الزوجية السابقة،فليس من اللائق أن تكون امرأة معاشرة لرجل مدة تطول أو تقصر،ثم تتركه،وفي الثاني تذهب إلى رجل آخر .
وفي حالة عدم الدخول لم تحدث زوجية حقيقية،ولم يحصل اتصال بين الزوجين،حتى يستبرأ الرحم ويحتاج الأمر إلى مدة تعتبر سياجا للحياة الزوجية السابقة .
و يسعدني استقبال استفساراتكم في الموضوع في خانة التعليقات .
و صل اللهم وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه و التابعين .


هل أعجبك الموضوع ؟

هناك تعليق واحد:

  1. سلام عليكم : اري ان اسئل يا إمام في حال انفصال الزوجين عن بعضهما لمدة سنة او اكثر قبل الطلاق هل تجب العدة ام لا؟

    ردحذف

كافة الحقوق محفوظة 2015 © ملتقى النبلاء / المبرمج يوسف حجاب