مسألة : حكم تخصص المسلم في مجال العلوم القانونية

و الاشتغال فيما بَعد بمهنة المحاماة : 
الجزء الأول :
السؤال : شيخَنَا أنَا طالب في العلوم القانونية ومُقبل على تخصص المحاماة ، فما حكمُ الشرعِ في هذا جزاكم الله كلّ خير ؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالمحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في إستظهار الحقائق و الأدلّة لتحقيق العدل وتأكيده ، ويطلق على من يمارس مهنة المحاماة محامي ويسمون أيضا "القضاء الواقف".
وهى مهنه قائمة على تقديم المساعدة للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين في اقتضاء حقوقهم والدفاع عنها والتوعية القانونية للمواطنين بحقوقهم وواجباتهم و الإجراءات . .

هذا قد اختلف أهلُ العلم في العمل بمهنة المحاماة في ظل تحكيم القوانين الوضعية على قولين. وقبل ذكرِ القولين لا بُدّ من الإشارة إلى مسألة مهمّة للغاية وهي أنه ليست كل القوانين المعمول بها مخالِفَةً لشريعة الله ، فمنها المطابقة ، ومنها المخالفة ، ومنها الإجراءات ، ومنها التنظيمات التي تندرجُ تحت الأصول الشرعيّة ، ومنها ما هو اجتهاديٌّ في الشريعة والقانون . .، فالكلامُ إنما ينطبقُ فحسب على ما ثبتَ مخالفته لشريعة الله قطعًا . .
القولانِ هما :
القول الأول : المَنْعُ بإطلاق ، وهو قَوْلُ العلاّمة أحمد محمد شاكر في كتابه الماتع " عمدة التفاسير " ، أجراه على القوانين الوضعيّة جملةً باعتبارِها - في نظرِهِ – حُكمًا بغيرِ ما أنزلَ الله أو رِضًا به :
يقول الشيخ أحمد شاكر في كتابه عمدة التفاسير ( 2/172-174 )، منكراً على من يرسلون أبناءهم لدراسة القوانين الوضعية " الياسق العصري كما سمّاه . . " ومن ثم ليعملوا بمقتضاها في المحاكم الوضعية :
" أفيجوز لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد؛ أعني التشريع الجديد ؟! ، أويجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه، واعتقاده، والعمل به، عالماً كان الأب أو جاهلاً ؟! ، أويجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا الياسق العصري وأن يعمل به، ويُعرض عن شريعته البتة ..؟! ، ما أظن أن رجلاً مسلماً يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلاً، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتاباً محكماً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلاناً أصلياً، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة ا- هـ قوله رحمه الله . .
أقول :
مبنَى هذا القول - كما سنرَى - على عدم التفريق بين الاستبدالِ للشريعة الذي هو الحكمُ بغير ما أنزلَ الله مع سبق الإصرار ، وبين حالة الاضطرارِ إلى التحاكُمِ للقوانين بغير رضًا ولا استبدال للشرع ؛ اعتباراً للحاجة الملِحَّة وتحقيقاً للمصلحة العامّة، وإعمالاً لقاعدة الضرورة ، وفرارًا من حالة الفراغ العَدلي في الحياة . .
القول الثاني: الجواز ، اعتباراً للحاجة الملِحَّة وتحقيقاً للمصلحة، وإعمالاً لقاعدة الضرورة، واستيفاء للحقوق، واستخلاصاً للمظالم عند انعدام البديل من المحاكم الشرعية، فالمبرر الوحيد الذي يجيز للمسلم الاشتغال بهذه المهنة في ظل القوانين الوضعية، هو العمل على نصرة المظلوم، والقيام بمصالح المسلمين، ودفع الظلم عنهم أو تخفيفه، حسب الإمكان، ويُشتَرَط تحقيق بعض المصالح أو دفع بعض المفاسد .


إذْ ليست المهنة محرَّمة لذاتها ؛ ودفعُ الظلم لا إثم على المظلوم ولا على المحامي الذي ينوب عنه في الخصومة لتحاكمه لهذه القوانين ، فهو تحاكُمُ ضرورةٍ لا تحاكُم رضَا واختيار واستبدال ، وإنما الإثم يقع على من استبدل هذه القوانين بشريعة الله - المخالفة منها طبعًا وليست كلها كما سيأتي - ، وألزم الناس بالحكم بها والتحاكم إليها بدلاً من الشرع . وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى هذا في كتابه "الطرق الحكمية" (ص 185 ) .
الجزء الثاني : 
إذًا ؛ بموجِبِ هذا الاتّجاه الذي وسّعَ في الأمر من باب الاضطرار :
و إعمالاً لقاعدة الضرورة، واستيفاءً للحقوق المطلوبَة شرعًا ، واستخلاصاً للمظالم عند انعدام البديل من المحاكم الشرعية ، يجوزُ للمسلم الاشتغال بهذه المهنة في ظل القوانين الوضعية ، و يعتبِرُهَا وسيلةً اضطراريّة لا مناصَ منها لنصرةِ المظلوم، و القيامِ بمصالح المسلمين، ودفعًا للظلم عنهم أو تخفيفه ، حسب الإمكان ، و لو من بابِ تحقيق بعض المصالح أو دفع بعض المفاسد . .
مادامَ القلبُ سليمًا للهِ بالتوحِيدِ يُثبِتُ لهُ ما أثبتَهُ لنفسِه مما لا ينازِعُهُ فيهِ أحد ! ، ومادامَ لا يُسوّغُ حكمَ غير الله بدلاً عن شريعة الله ، فالهلاكُ في التسويغِ لا في التحاكُم اضطرارًا [ لأن النصوص الواردة في من أعرض عن التحاكم إلى الشرع إنما كانت في واقع تهيأت فيه أسباب التحاكم إلى الشرع المطهر، و مع ذلك سوّغَ هذا الشخصُ الأمرَ و أعرض عن حكمِ اللهِ طائعًا راضِيًا مختارا ، أما سواه فلا يأخذُ حكمه ] :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
" ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب " ( مجموع الفتاوى (28/ 524).
و كونُ المسلِمِ في بلد يتحاكَمُ إلى قوانين وضعيّة ، لا يعني ذلك تحريم مهنة المحاماة إذا كان القلبُ سليمًا بالتوحِيد ، و القصد هو الحصول على الحق ودفع الظلم ، فإن المظلوم مضطر إلى التحاكم إلى هذه القوانين لأخذ حقه لا سبيل إلا هذا ، وإلا ؛ أَكَلَ الناس بعضهم بعضاً ، و قويت شوكَةُ الظلم والباطِلِ و حصلت الفوضى و ذهبَ الأمنُ و اختلّ نظامُ الحياة ، مع العلم - وهذه مسألة مهمّة للغاية - أنه ليست كل القوانين مخالفةً لشريعة الله ، فمنها المطابقة ، ومنها المخالفة ، ومنها الإجراءات ، ومنها التنظيمات التي تندرجُ تحت الأصول الشرعيّة ، ومنها ما هو اجتهاديٌّ في الشريعة والقانون . .، فالكلامُ إنما ينطبقُ فحسب على ما ثبتَ مخالفته لشريعة الله قطعًا . .

[[[[[ ســـؤال (17110) : أنا محامٍ وتركت المهنة من فترة إلى أن ضاقت بي الدنيا واشتد بي الحال، ولم أجد من يساعدني في الوصول إلى الحل الصحيح، فهل المال الذي اكتسبه من مهنة المحاماة مال حلال أم حرام؟ و هل أنا بذلك ممن يحكمون بغير ما أنزل الله لأن القوانين وضعية؟
الجواب: عليك في هذه المحاماة ألا تتعمد ظلم الخصم، لأجل أن يحصل لك أجرة إذا حكم ضده، فإذا لم تكن ظالمًا وتحريت العدل، واعتبرت نفسك وكيلاً عن أحد الخصمين، ثم حصل لك كسب من هذه المهنة، فإنه كسب مباح، ولو كانت المحاكم تحكم بالقوانين الوضعية، فإن الإثم على من وضعها، وأما المتحاكمان أو الوكيلان فإن كلا منهما يريد تحصيل حقه، ولاشك أن أحدهما ظالم والثاني مظلوم، أو أن الأمر مشتبه عليهما، فالذي لا يتوصل إلى حقه إلا بواسطة هذه القوانين الوضعية لا إثم عليه، سواء كان مالكًا أو وكيلاً، فكسبه حلال مقابل الوكالة الصحيحة، وحقه حلال الذي يتحقق من ملكيته. والله أعلم.
قاله وأملاه عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين 17/4/1429هـ ]]]]]] .
و الواجب على المحامِي ابتداء؛ مراعاة حكم الشرع في أصل القضية؛ فلا يترافع إلا إذا علم مشروعية الدعوى ومضمونها، كما لا يجوز له الدفاع عن موكله في أمر يعلم بطلانه ؛ كالدفاع عن اللصوص وتجار المخدرات ، وكذلك لا يجوز له المطالبة لموكِّله بحق ليس له، وفي جميع الأحوال يجب عليه بيان الحق وقول الصدق ..
ويجب على المحامي أن يتحرى الحق، ويتجنب الكذب؛ فينظر في القضايا ويتأملها، فإن رأى أن الحق مع موكله، دافع عنه وانتصر للحق، وإن رأى أن الحق عليه، لزِمَه بيان ذلك له، ونصحه بترك الدعوى ورد الحقوق إلى أهلها، ولا يتوكل عنه. وهذا القول نصره محمد رشيد رضا في (تفسير المنار ج6ص335 وما بعدها. ) .
و في فتوى للّجنة الدّائمة للإفتاء رقم [ 3832 ] حول حكم دراسة القوانين الوضعية والاشتغال بمهنة المحاماة : "إذا كان من يريد دراسة القوانين الوضعية لديه قوة فكرية وعلمية يميز بها الحق من الباطل، وكان لديه حصانة إسلامية يأمن معها من الانحراف عن الحق ومن الافتتان بالباطل، وقصد بتلك الدراسة المقارنة بين أحكام الإسلام وأحكام القوانين الوضعية وبيان ميزة أحكام الإسلام عليها وبيان شمولها لكل ما يحتاجه الناس في صلاح دينهم ودنياهم وكفايتها في ذلك، إحقاقا للحق وإبطالا للباطل، والرد على من استهوته القوانين الوضعية فزعم صلاحيتها وشمولها وكفايتها- إن كان كذلك فدراسته إياها جائزة، وإلا فلا يجوز له دراستها، وعليه أن يستغني بدراسة الأحكام الإسلامية في كتاب الله تعالى والثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما درج عليه أئمة علماء الإسلام وطريقة سلف الأمة في دراستها والاستنباط منها.
ثانيا: إذا كان في الاشتغال بالمحاماة أو القضاء إحقاقٌ للحق وإبطالٌ للباطل شرعا وردُّ الحقوق إلى أربابها ونصر للمظلوم- فهو مشروع; لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى، وإلا فلا يجوز; لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، قال الله تعالى: [ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ] " .

هل أعجبك الموضوع ؟

هناك تعليق واحد:

  1. ربي يبارك فيكم يا إمام ........ اللهم ارزقنا العمل الصالح

    ردحذف

كافة الحقوق محفوظة 2015 © ملتقى النبلاء / المبرمج يوسف حجاب