الجمعة : إذًا :
تحرّك إلى اللهِ شِبرًا و سوفَ يتقرّب منك ذِراعًا . . ! الجمعة الثالثة في رمضان 1436هـ
الاستفتاح بخطبة الحاجة، ثم أما بعد :
معشر المؤمنين :
ما أجملَ أن يفتحَ اللهُ تعالى على العبد
باستبشارِ القلبِ بالله سبحانه و باستشعارِ القُربِ منه جلّ في عُلاه ، إنَّهُ
الشرفُ الذي لا يُدانيهِ شرف ، والقُربُ الذي ليسَ كمثلِهِ قُرب ، تزولُ به كُلُّ
وحشَة ، و تتحصّلُ به السكينة ، ويتصلُ به كلُّ مقطوع ، ويرتفعُ به كل موضُوع ، و
يتحقّقُ به كلُّ مطلَب ، و تتجدّد به الطمأنينةُ واليقينُ ولو أطبقَ على العبدِ بطنُ حوتٍ في الظلمات :
كــَــــانت لقلبِي
أهواءٌ مفرَّقَةٌ
فاستُجْمِعَتْ مُذْ
رأتْكَ العينُ أهوائِي
تركتُ للناس دنياهُم
ودينَهُمُ
شغلاً بذكرِكَ يا
دِينِي ودُنْيَائِي
هذا إبراهيم عليه السلام قذفه الأعداء في
النار حافيًا،مع شدة الوثاق وعظم النَّار التي قذفوه فيها فإنَّ يقينَ العين يقول
باستحالة الخلاص في تلك اللحظات الأخيرة،ولكنَّه حين القصد والتوجه والاتصال و
الاضطرار والانكسار سأل الله تعالى من خزائن النصر والحفظ فأعطاه ونجَّاه،كما قال
الله تعالى:﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ
فَاعِلِينَ(68)قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى
إِبْرَاهِيمَ(69)وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الْأَخْسَرِين﴾(الأنبياء:68-70). قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما :﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾[ آل عمران : 173 ] قالها إبراهيمu حين ألقي في
النار،وقالها محمدr حين قالوا ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا
لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ
الْوَكِيل﴾ [ آل عمران : 173 ]"[1].وفي
البخاري[2]:"
كان آخرَ قول إبراهيم حين أُلقيَ في النَّار :حسبي
الله ونعم الوكيل" .
وهذا يونس بنُ متَّى عليه السلام في ظلمات
ثلاث،ظُلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت،يقينُ العين يقول بامتناع النجاة
وحصول الوفاة،ولكنَّه حين القصد والتوجّه و الاتصال و الاضطرار والانكسار
والاستغفار سأل اللهَ تعالى النجاةَ من الظُّلُمات فأنجاه اللهُ الواحدُ
القهَّار،العزيزُ الغفَّار كما قال سبحانه:﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ
عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ
إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ
الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِين﴾(الأنببياء:87-88). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من بلايا
الدنيا دعا به يفرج عنه فقيل له بلى فقال دعاء ذي النون لا إله إلا أنت سبحانك إني
كنت من الظالمين"[3].
وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم:"دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت
سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قط إلا استجاب الله
له"[4].
وهذا أيوب عليه السلام ، ثمانية عشر سنة
مع شدَّة المرض و البلاء والضر،ابتلاهُ اللهُ في جسده وبموت الولد
والمال،يقينُ العين يقول باستحالة الشفاء من الدَّاء،ولكنَّهُ حين القصد والتوجه و
الاتصال و الاضطرار والانكسار والاستغفار سأل الله تعالى من خزائن الرحمة والشفاء
فشفاه اللهُ وكفاه وأعطاه أهلهُ ومثلهم معهم رحمةً منه سبحانه وتعالى،كما قال
ربُّنا سبحانه:﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ
أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين(83)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ
فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِين﴾(الأنبياء:83-84).
و
هذا زكرياء عليه السلام مع كبر السنّ
والزوجة العاقر، فإنَّ يقينَ العين يقول بامتناع حصول الولد بينهما، ولكنَّهُ مع
القصد الصادق و النداء و الاضطرار والانكسار والتضرُّع والاستغفار سأل اللهَ تعالى
من خزائن الولد فأعطاه كما قال الله تعالى:﴿ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا(2)إِذْ نَادَى
رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(3)قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ
شَقِيًّا(4)وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي
عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(5)يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ
يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾(مريم:2-6).
نسأل اللهَ التوفيق لما يحب ويرضى، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
معشر المؤمنين:
إنه القصدُ
والتوجه معشر المؤمنين . . إنها كلمةُ
التوحِيدِ " لا إله إلا الله " . .حينَ يعملُ مداهَا و معناهَا في القلب
و الحياة . . !
إنها اللحظةُ التي يتوجَّهَ فيها الكيانُ كلُّ الكيان لله الواحد القهَّار
. . إي والله . . ! اللحظةُ التي يكون
اللهُ تعالى فيها أقربَ ما
يكونُ إليك و أحبَّ ما يكونُ عندك ..تتحقق المعجزات ..!
من حَفِظَ اللهَ في الرخاء والصِّحة والغنى وتعرَّف إليه بإتيانِ أوامره
واجتناب نواهيه والقيام بحقوقه التي أوجبها عليه وَجَدَ اللهَ معه في كل حين ، وفي
وقت الشدَّة والمرض والفقر والحاجة و الجوع و الفتن يُعطيه ويُنجيه ويحوطُهُ و
يُطعِمُه و يهديه ،من كان مع الله كان اللهُ معه ، ومن كان اللهُ معه كانت معه
الفئة التي لا تُغلَب ، والحارسُ الذي لا ينام ، والهادي الذي لا يضِل ، فإنَّ
خزائنَ كلِّ شيءٍ بيد
الله الواحد القَهَّار . .
*
*
*
الرُّوحُ للجسَد : ألاَ تتوقّفُ
عن الصلاةِ و البُكاءِ قليلاً لتأكُلُ شيئًا أيًّهَا الجسَدُ الحبيب . . سوفَ تُهلِكُ نفسَك . . !
الجسَدُ المُهاجِرُ
إلى ربّه . . : لا تقلقِي أيتها الروحُ الحبيبَةُ
لا تقلقِي . . ، إنّنِي مُذ عرفتُهُ صِرتُ آكُل . . . إِي واللهِ صرتُ آكُل . . آكُلُ مِنِ قِرَاهْ . . !
يااااااااااااااا
الله .. ! ؛ ما أطْيَبَ طَعْمَ حُبِّه . . ! وَما أعْذَبَ شِرْبَ قُرْبِهْ . . !
إنَّهُ وقتُ الوِصال بعدَ الفِصَال أيّتُها الرّوح . . دَعِينِي . . . !
دَعِينِي على عتبَاتِ
الربُوبيّة أطرُقُ بكَفّ العُبودِيّة .
. !
لعلَّ اللهَ
ينظُر إِلَيَّ . . !
يـا رَبّ مُضْطَـرًّا أتيـتـُكَ مُعْـدَمًـا ووقفـتُ عنـد البَـاِب لــم أَتَتَعْـَتـع
فـإذا مَنَحْـتَ فـَكُـفْءُ كـُـلِّ كَرِيـمَـةٍ وإذا مَنَعْـتَ فَأَيـْنَ أنـقـُلُ مَطْمَـعِـي ؟ِ!
يــا رَبّ أُسْـتُــرُ خـَلّـتـِي وكـأنـّهَـا عارٌ فلسـتُ عَلـَى سِـواكَ بِمُطْلـِع
إن كـان ضـُرّي لا يفيـدُكَ فامْـحُـهُ أو كـان نَفْعِـي لاَ يـَضُـرّكَ فانْـفَـع
يـا رب فاغفـِرْ كُـلَّ مَـا سَـارَتْ لـهُ رِجْلـِي وَمَـا مَــدّتْ إِلَـيـهِ
أَذْرُعِــي
يـَا مَـْن يُحِـبُّ العَفْـوَ بَيـْنَ صِفَاتِـهِ طَـالَ انْتِظَـارُ نُزُولِـهِ فِــي
أَرْبُـعِـي
يَا مَنْ نَهِيـتَ النّـاسَ تَنْهَـرُ سَائـِلاً أَنَـا ذَا هُنـَا يَـا ذَا النّـوَالِ
الأَوْسَـع
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا،وكره
إلينا الكفر والفسوق والعصيان،واجعلنا من الراشدين . وصلى الله وسلم وبارك على
محمد،وعلى آله وصحبه أجمعين .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق