إذَا تحرّك إلى الله شبرًا يتقرّبُ منك ذراعًا !
بعد تحقيق
أول واجبٍ على العبدِ في هذه الحياة " معرفة الله جلّ في عُلاه " المعرفة العامّة التي تعني الإيمانَ
بوجود الله تعالى و التعرّف عليه سبحانه بأسمائه وصفاته و أفعاله و آثاره في
الوجود و الكائنات [ توحيد المعرفة و الإثبات ] ، يتعين على المؤمنِ الانتقال
بهذا النوع من المعرفة إلى المعرفة الخاصّة ؛ و لا تتحقّقُ بينك وبين الله معرفةٌ
خاصّةٌ إلا إذا أخلصتَ إليهِ " القصد والتوجُّه " ، وهذا النوع
يُسمّى عند العلماء ب " توحيد العبادة – القصد والتوجُّه " = السيرُ إلى الله بموجب المعرفة
:
وهذا هو المقصدُ
من الخلق [ التوجُّهُ
الإرادِي التام بالروح و البدن و القلب و اللسان و سائر الأركان إلى الله وحده لا
شريكَ له ( خضوعًا و استسلامًا ومحبّةً و أنسًا ) كثمرةٍ من ثمرات المعرفة الصحيحة بالله ] . قال تعالى
:
[ومَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون
] ( الذاريات : 56 ) من جميع الرسالات السماوية ، كما قال تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ
مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا
فَاعْبُدُونِي﴾(الأنبياء:25).
وفي
المتفق عليه عن معاذ رضي الله عنه قال : كنت رَدِفَ النبي صلى الله عليه وسلم على حمار
يقال له عفير فقال : "يا معاذ هل تدري حق الله على عباده وما حق العباد على
الله ؟ " قلت الله ورسوله أعلم قال
:" فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا
وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا ".
ثمرات هذا الانتقال و الاشتغال بحقّ
الله :
أوّلُ ما تقرّرُ السيرَ يفرَحُ بكَ
الله جلّ في علاه : و من ثمرات هذا الفرح أنه يُلقي عليك سعادَةً لا مثيل لها : عن أنس
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان راحلته بأرض
فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس
من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح
اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح " رواه مسلم .
كلما تحركت إلى الله تقرّب إليك أكثر
فأكثر :
عن أبي ذر
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى :" من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا
تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك
بي شيئا
لقيته بمثلها مغفرة" رواه مسلم.
تزولُ بينك وبين الله الوَحشَةُ وينشَاُ
بينك وبينه أُنسٌ لا مثيل له : الأنسُ هو استبشارُ القلب و استشعارُ القُرب الذي يوجبُ الحُب و
الأنسَ و الحياء و التقصير ، قال الله تعالى : [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ
دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون ] ( البقرة : 186) .
يعاملك بأعظم نظامٍ في الحسنات و
السيئات :
عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم
بحسنة فلم يعملها كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة فإن هم بها فعملها كتبها الله
تعالى عنده عشرة حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإن هم بسيئة فلم يعملها
كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن هم بها فعملها كتبها الله تعالى سيئة واحدة [و في صحيح مسلم :" ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر " . ] ولا
يهلك على الله إلا هالك " متفق عليه .
بل إذا احتسبت أي شيءٍ لله كتب لكَ
عليه الأجر :
في البخاري قال صلى الله عليه وسلم :" إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقه، وهو
يحتسبها كانت له صدقه " رواه البخاري . فكل الأقوال و الأعمال و الأحوال و التصرفات و العلاقات و
الإنجازات تدخُلُ مع هذا الأساس في معنى العبادَة ويأخذُ عليها المسلمُ
الأجر . فتنصبغ حياةُ المسلم وأعماله بالصبغة الربانية، و يصيرُ مشدودا
إلى الله في جميع ما يقوم به في الحياة .
رسوخُكَ في الطريق يعطيكَ لقبَ "
ولِيٍّ لله " و يمنحكَ الحُبّ من الله و الحماية و الهداية [ فماذا يفعل
أعداؤُكَ بك ؟! ] :
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي
بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا
أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي
يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله
ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه " رواه البخاري .
إذًا مدارُ السعادة في
حياة العبدِ على :
1 / مَعرِفَةُ الجهة التي تستحِقُّ القصدَ والتوجّه
( الله جلّ وعلاَ ) .
2 / السيرُ الحقيقي نحو المقصُود سيرَ تذوّقٍ و
أُنس .
كيف
يمكنُ تحقيق هذه المعرفة الخاصّة التي هي أساسُ السعادَة في الحياة ؟ :
لا
يمكنُ تحقيق هذه المعرفة الخاصّة إلاّ إذا تمّ تحقيقُ الرّحلَةِ بالعبادَة مِنْ
دائرةِ الجفافِ و التّعَوّد إلى دائِرَةِ الإحسَاسِ و الاستئنَاسِ والتّذَوُّق ! : و لذلك فإن السير إلى
الله بالعبادَة مراتب :
الأولى
: مرتبةُ الأداءِ الجافِّ الجامدِ الذي تبرأُ به الذّمّة ولا يتحقق به الأجر [ كما قيل : يا عبد الله، إمّا أنْ تصلّي صلاةً تليق بمعبودك، وإمّا أنْ
تتخذ معبوداً يليق بصلاتك ! ] .
الثانية :
مرتبةُ الأداء الذي تنبضُ فيه الحياة فتبرأُ به الذّمّةُ و يتحقق به نوعُ أجرٍ :
كما في حديثِ عمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها
إلا ثلثها حتى قال : إلا عشرها " .
الثالثة :
مرتبةُ الأداءِ الحيّ الذي تبرأُ به الذّمّةُ و يتحقق به الأجرُ الكاملُ و
المضاعفة التامّةُ مع إحساسِ القلب بحقيقة الوَصلِ و بتمام اللذّةِ و الأنسِ و
غايةِ الحياءِ و التقصير [ و لذلكَ : كان أبو سليمان الدّاراني يقول " أَهْلُ اللَّيْلِ فِي لَيْلِهِمْ أَلَذُّ
مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ فِي لَهْوِهِمْ ، وَلَوْلا اللَّيْلُ مَا أَحْبَبْتُ
الْبَقَاءَ " ] .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق