الدعاء مع الثناء و المناجاة

مدخلُ القَبُول و الاستجابَة ( 3 / 3 ) :
الجزء الثالث :
بسم الله و الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :
حياكم الله أيها الأحباب :
من أحسنِ طُرُقِ الوفودِ و الدّخُول ومن أقوى أسباب الاستجابةِ و القَبُول " الجمعُ بين المناجاة بالثناء و الدُّعاء " ، المناجاة التي يعبّرُ فيها العبدُ عن مدى انكساره وتضرّعه وافتقاره ، مع ثنائه على ربّ البريّة جلّ في عُلاه ، ثم الدّعاءُ الذي يُحصّلُ به الحاجات و يذكُرُ به المطالب على احسن ما يكونُ عليه الطلب .
و لما رأينا شيئًا عن المناجاةِ و صفتِها و آدابِها ، ولما كانت لا تنفصل في الغالب عن السؤال والطلب ؛ يحسُنُ بنا أن ننوّه بآداب السؤال والطلب عسى أن يكتُب اللهُ لنا القَبول والرضوان ، ويُعتقنا من الشقاء و النيران :
أيّها الأحباب :
ربنا سبحانه قال :﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾(غافر:60).
وقال سبحانه:﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾(البقرة:186) .
الدعاء: هو دعوة المسلم ربَّه تعالى أن يعطيه ما يريد ويطلب ، وأن يجيره مما يخاف ويرهب ،وهو عبادة واجبة لله تعالى وحده لا شريك له ،لا يشاركه فيها نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا ولي صالح ولا جان ولا شيطان كما قال صلى الله عليه وسلم :"الدعاء هو العبادة " [ رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد وغيرهم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما:أنظر صحيح الجامع(3407) ] ، وكما قال صلى الله عليه وسلم :" إنه من لم يسأل الله يغضب عليه" [صحيح سنن الترمذي(2686) ] .
ذلك أن تحقيق الرغائب وقضاء الحوائج أمر يتوقف حصوله على أن المدعو لذلك ينبغي أن يكون :
- مالكا لجميع الرغائب والحاجات.
- قادرا على تحقيق الرغبة وقضاء الحاجة،وقادرا على دفع البلاء .
- عالما بحال السائل وصدقه من كذبه،يسمع كلامه وهو يدعوه بظهر الغيب،ويرى مكانه حيثما كان.
ولما لم تكن هذه الصفات لتتوفر لأحد سوى الله جلّ في عُلاه ؛ بطل أن يدعى غير الله تعالى عقلا وشرعا ، وكان من يدعو غير الله تعالى مشركا كافرا ظالما جاهلا أو معاندا مكابرا .
نسأل الله السلامة والعافية .
أما عن فضل الدعاء :
فقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الدعاء منها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل الله له دعوته،وإما أن يدخرها له في الآخرة،وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" [صحيح الترغيب والترهيب(1633) ] .
وقال صلى الله عليه وسلم :" لا يرد القضاء إلا الدعاء" الصحيحة(154)
الآن : نرى شيئًا من آداب الدعاء :
وكما قلنا إذا اجتمعت المناجاة الصادقة و الثناءُ الجميل مع الدعاء القائم على آدابه حصل الدخولُ الموفَّقُ بإذن الله ، وهذا سببٌ أصيلٌ في تحصيل الإجابة بإذن الله ، فلا تكن عن هذا من الغافلين :
أ / استقبال القبلة :
قال البخاري: باب الدعاء مستقبل القبلة : عن عبد الله بن مسعود قال:" استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة فدعا على نفر من قريش.." البخاري.
ب / رفع اليدين:
متواتر معلوم ، وهو من إظهار الافتقار إلى الله تعالى،كما قال صلى الله عليه وسلم :" إن الله حييٌّ كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين" [ صحيح: سنن الترمذي(2819)] .
وأما كيفية رفع اليدين فالسّنّة في ذلك ما ورد في صحيح سنن أبي داود(1323) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك ( كتفيك ) ، والاستغفار أن تشير بأصبع واحدة (السبابة اليُمنى نحو السماء ) ، والابتهال ( أي المناجاة و التضرّع ) أن تمدَّ يديك جميعًا ". فهذه أصناف وزّعها على محتوى ما تقومُ به .
ج / حضور القلب وإظهار الافتقار والشكوى لله تعالى :
هذه لا شكّ في اشتراطها و اعتبارها من الآداب لأنها السببُ الموصل إلى استجابة الله وسماعه نِداك وشكواك : قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾(الأنبياء:90) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة،واعلموا أنَّ الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه "الصحيحة(594) .
وخاصَّة إذا كان في الدعاء بكاءٌ صادقٌ فهو من خير أسباب الاستجابة . فاللهم أعنّا ياااااااااااااااارب . . .
د / أن تصلي فيه على النبي صلى الله عليه وسلم :
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :" كل دعاء محجوبٌ حتى يُصلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم " الصحيحة(2035).
هـ / الجمع بين الدعاء والثناءِ على الله تعالى : الثناءُ على الله تعالى هو وصفهُ سبحانه بما يليقُ به من الأوصاف الحميدة المجيدة ،
كما قال الله تعالى :﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾(الأعراف:180) ، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يقول في تشهده : " اللهم إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أن تغف لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم،فقال صلى الله عليه وسلم :" قد غُفر له،قد غُفر له" صفة صلاة النبي للألباني(ص186).
وسمع آخر يقول في تشهده :" اللهم إني أسألك بأن لك الحمد،لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك،المنان،يا بديع السموات والأرض،يا ذا الجلال والإكرام،يا حي يا قيوم،إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار"،فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:" تدرون بما دعا؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى" المرجع السابق (ص186).
و / إعادة الدعاء ثلاثًا : هذا أجمل و أقربُ لحضور القلب و تأكيد المسألة و إظهار الافتقار :
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم :"كان إذا دعَا دعا ثلاثًا،وإذا سأَل سأل ثلاثًا" أخرجه مسلم(1794).
ز / اغتنام الأوقات و الأحوال و الأماكن التي يستجاب فيها للداعي بإذن الله : وهي كثيرةٌ ، منها جوف الليل الآخر، ليلة القدر، دبر الصلوات المكتوبات، بين الأذان والإقامة، ساعة من كل ليلة، ساعة من يوم الجمعة وهي آخر ساعة بعد العصر، وعند النداء للصلوات المكتوبة، إذا نام على طهارة ثم استيقظ من الليل ودعا، الدعاء في شهر رمضان ونحو ذلك .
ومن أفضل أماكن الدعاء:
دعاء يوم عرفة في عرفة ، والدعاء على الصفا ، والدعاء على المروة، والدعاء عند المشعر الحرام ، والدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى في النسك ، ونحو ذلك . .
و من أفضل الأحوال :
عند الدعاء بـ «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»، الدعاء حالة إقبال القلب على الله عز وجل، الدعاء بعد الوضوء، دعاء المسافر، دعاء المريض، دعاء المظلوم، دعاء الوالد لولده، دعاء المضطر، الدعاء حال السجود، وعند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر، وعند صياح الديكة، وإذا تعارَّ المرء من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده... إلخ ثم استغفر ودعا ونحو ذلك . . .
ح / اجتنابُ الموانِع :
الموانِعُ هي تلك الأفعال و الأحوال الموجودة بالدّاعي والتي تحجبه عن الله و عن وصول نِدَاه ، و الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله؛ لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله تعالى وقت الدعاء، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، واستيلاء الغفلة والسهو، وتراكم الذنوب على القلب :
روي عن القاسم بن عبد الله أنه قال: قلت لأنس بن مالك : يا أبا حمزة ادعُ الله لنا . فقال : " الدعاء يرفعه العمل الصالح " .
و عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يمد يديه إلى السماء يقول:" يا رب،يا رب،ومطعمه حرام،وملبسه حرام،وغذي بالحرام فأنَّى يُستجابُ لذلك؟"أخرجه مسلم(1015).
قال النبي :" ..اعلموا أنَّ الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه "الصحيحة(594) .
ملاحظة : و اعلموا يا احبابي أنه :
إذا حصل الدعاء بشروطه، فاللهُ جل وعلاَ إما أن يعطي السائلَ ما سألَ حالاً، أو يؤخره ليكثر المسلم من البكاء والتضرع، أو يعطيه شيئاً آخر أنفع له من سؤاله، أو يدفع به عنه بلاء، أو يؤخره إلى يوم القيامة، فالله أعلم بما يصلح لعباده، فلا نستعجل {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)} [الطلاق/3].
أسأل الله لي و لكم العافية .
مسألة : حكم الدعاء بالدارجة في الصلاة وغيرها ؟ :
أما خارج الصلاة فيجوز الذكر والدعاء لمن عجز عن العربية باللغة التي تيسرت له ولا حرجَ عليه :
وقد سُئِل شيخ الإسلام - رحمه الله - : عن رجل دعا دعاءً ملحونًا ، فقال له رجل : ما يقبل الله دعاءً ملحونًا . فأجاب : " من قال هذا القول فهو آثمٌ مخالف للكتاب والسنّة ولما كان عليه السّلَف ، وأما من دعا اللهَ مخلصًا بدعاءٍ جائزٍ ، سمِعَهُ اللهُ وأجابَ دعاءَهُ ، سواءً كان معربًا أو ملحونًا .. ، والدعاء يجوز بالعربية وبغير العربية ، والله سبحانه يعلم قصد الداعي ومراده ، وإن لم يقوِّمْ لسانَهُ ، فإنه يعلم ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تنوع الحاجات " ( مجموع الفتاوى 22/489 ) .
وأما في الصلاة ( فلا بُدّ من التفصيل ) :
فينبغي أن يعلمَ أنَّ الكلامَ في الصلاة ثلاثة أنواع : قرآن – وأذكارٌ واجبة – وأذكار وأدعية عامة .
أما القرآن :
فلا بُدّ فيه من العربية كما أنزِلَ ، قدرَ عليها أو لم يقدر ( الاقتصار على ما تيسّر ) .
و أما الأذكار الواجبة :
كتكبيرة الإحرام والتسليم و التشهد فلا بُدّ فيها من العربية الفصحى على الصحيح إلا لعاجزٍ ، مع الاستمرار في التعلم .
وأما سائر الأدعية والأذكار المستحبة :
فتجوز للعاجز ويُمْنَعُ منها القادرُ على العربية الفصحى . [ اقتضاء الصراط المستقيم : ص 203 /// التمهيد 1/141] .
بارك الله لي ولكم في العلم و العمل ، ولا تنسَونِي إخوتي أخواتي بالدُّعاء بارك الله فيكم . .
و صل اللهم وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه اجمعين .


هل أعجبك الموضوع ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كافة الحقوق محفوظة 2015 © ملتقى النبلاء / المبرمج يوسف حجاب