خطبة الجمعة :
الشوقُ إلى الله . .عالمُ النور والبهاء ! الجمعة الرابعة رمضان
1436هـ
معشر المؤمنين : حديثنا اليوم عن أعظم
منزلة وأشرف مقام وأعلى درجة من درجات الإحسانِ كان النبي -صلى الله
عليه وسلم- يسأل الله -تعالى- إياها، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن عمار بن ياسر
-رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو بهذا الدعاء... وفيه: " وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ
النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ
مُضِرَّةٍ وَلاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ
وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِين " رواه
النسائي، وصححه الألباني.
إنها منزلة الشوق إلى الله . . المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون ، وإليها
شخص العاملون ... وهي الحياة التي من حُرِمَها فهو من جملة الأموات ، والنور الذي
من فقده فهو في بحار الظلمات ، والشفاء الذي من عُدِمَهُ حلت بقلبه جميع الأسقام ،
و اللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم و آلام … تالله لقد ذهب أهلها بشرف
الدنيا و الآخرة … أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم : حي على الفلاح ، وبذلوا في
طلب الوصول إلى محبوبهم و كان بذلهم بالرضا و السماح :
مُحِبٌّ خلاَ بالحُبِّ
خلوةَ واجدٍ * * خلاَ بحبيبٍ و
الظــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلامُ لهُ سترُ
يقولُ بذلتُ الحُبَّ يا
منتهَى المُنَى * * و يا نورَ قلبِي أنتَ
لي سيّدِي ذُخرُ
بفضلِكَ زِدنِي منكَ
قُربًا و أدنِنِي **
إليكَ دُنُوًّا لا يُغيّرُهُ
الدّهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرُ
شفائِي مُقامِي في الهَوَى
وهو قاتِلي * * و بينَ سِقامِي و الشّفَا ينفذُ العُمرُ
و في كبِدِي ممّا أقاسِي
من الهوَى * * و من زفراتِ
الحُبّ يا واحِدِي جمرُ
غزَا الحُبُّ قلبِي
قاصِدًا بجيوشِهِ * * ليأسِرَهُ قسرًا
فأذهلَهُ الأسْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرُ
و حقّكَ لا أنساك ما دُمتُ
باقِيًا * * و هلْ يتسَلّى عن محبّتِهِ
فخرُ ؟!
إنّهُ الشوق إلى الله . . لذة لا يتلذذ بها إلا من عاش مع الله حقًّا
حقًّا تعبُّدًا ورِقًّا، لذَّةٌ لا تُدركُ بالعِلمِ و الحَد إنّمَا تُنالُ
بالتلذُّذِ و الجِدْ . . قال تعالى : [مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ] ( العنكبوت : 05 ) . قال أبو عثمان الحيري :
" هذا تعزيةٌ للمشتاقِين " . . اللهُ أكبر !
عالمٌ عجيب
. . ! ملؤه النور والبهاء، و السكينة والنقاء، و اللذة والهناء ! :
قوم تَخَلّلَهُم زَهْوٌ بِسَيّدِهِم
والعبدُ يزهُو على مقدارِ مولَاهُ
تاهُوا به عَمّنْ سوَاهُ لـَـــــــــــــــــــــــــــــــهُ يَا حُسْنَ رؤيتهم في حُسْنِ ما تاهُوا
إي و الله لا عيشَ إلا عيشُ المُحبّين :
يقول أبو الدرداء
-رضي الله عنه- لكعب الأحبار: "أخبرني عن أخص آية - يعني في التوراة- فقال:
يقول الله تعالى: طال شوق الأبرار إلى لقائي وإني إلى لقائهم لأشد شوقاً".
قال: ومكتوب إلى جانبها: "من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني". فقال
أبو الدرداء: "أشهد إني لسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول هذا
" . . اللهُ أكبر . . !
وأوحى الله تعالى إلى داود : "يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم؛ لماتوا شوقاً إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي. يا داود هذه إرادتي في المدبرين فكيف إرادتي في المقبلين علي . يا داود أحوج ما يكون العبد إلي إذا استغنى عني ، وأرحم ما أكون بعبدي إذا أدبر عني ، وأجلّ ما يكون عندي إذا رجع إلي " اللهُ أكبر . . ! .
وأوحى الله تعالى إلى داود : "يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم؛ لماتوا شوقاً إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي. يا داود هذه إرادتي في المدبرين فكيف إرادتي في المقبلين علي . يا داود أحوج ما يكون العبد إلي إذا استغنى عني ، وأرحم ما أكون بعبدي إذا أدبر عني ، وأجلّ ما يكون عندي إذا رجع إلي " اللهُ أكبر . . ! .
إنّهُ الشوق إلى الله -تعالى- حمل موسى -عليه
السلام- على أن يسبق السبعين الذين اختارهم لميقات ربه، فأمرهم أن يتبعوه ، وأسرع
هو إلى موعدِهِ مع خالقه وهو يقول: [ وعجلتُ إليك ربّ لترضى] [طه:84]، [ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّه ] ،
ازداد شوقه وتعجَّل لذة النَّظَر [ قَالَ
رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى
الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى
رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ
قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ] [الأعراف:143) . ما عنك يشغلني مالٌ ولا ولدُ
نسيتُ باسمكَ ذكرَ المالِ
والولدِ
فلو سفكتَ دمي في الترب
لانكتبت
به حروفك لم تنقص ولم
تزدِ
قالت الروحُ للجسَدِ المُحِب : ألاَ تستريحُ قليلاً أيُّهَا الجسدُ الحبيب
. . هاتِ الكتابْ . . ساعةٌ وساعَة . . .
ألاَ تخرُجُ لتكلّمَ النّاس قليلاً . .
.!
قال الجسَدُ
المُتيّمُ : ساعةٌ وسَاعَة
. . ؟! . . ، طالت سَاعَةُ البِعادِ أيتها الرّوحُ .. إي و الله طالتْ . .
. ! ، وطالَ معها الأنين والحنين إلى
السّاعَةِ الأخرَى . . ، دَعِينِي السّاعَةَ مع هذه السّاعَة فإنّي في
لذّةِ الوِصالِ و القُرب لا أريدُ السّاعَةَ أن تنقَضِي . . ! ، جرحَ الشوقُ نصلَ
فؤادِي . . سيطَ قلبِي بسياطِ الشوقِ و
الحُب . . ! . إي واللهِ
. . ما أفعلُ بسَاعَة الخلقِ تلك . . ؟! ؛ لا حديثُهُم يشفِي ، و لا
قُربُهُم يُجدِي ، ولا ماؤُهم يروِي ، إنَّهُم ليسُوا بُغيَتِي . . ليسُوا بُغيَتِي . . !
حبيبِي . .أنتَ
سُؤلِي و بُغيَتِي * * كفَى بكَ للرّاجِينَ سؤلاً و مغنَمَا
ألستَ الذي
غذَّيتَنِي و هديتَنِي * * و لا
زِلتَ منَّانًا عليَّ و مُنعِمَا
ففي يقظَتِي
شوقٌ وفي غفوتِي مُنًى * * تلاحِقُ خطوِي نشوةً و ترنُّمَا
ذرونِي في رِحَابِهِ مع كتابِهْ . . ذرونِي فقد راقَت لِيَ السّاعَة . . ! ؛
أتلوهُ بشِفاهٍ ذابِلَة ، و دموعٍ
وابِلَة ، و زفراتٍ قاتلة ، و خواطِرَ في
عظمتِهِ جائِلَة . . إي واللهِ سيّدِي . .
ذهبَ الليلُ بما فيه . . و أقبلَ النّهارُ
بدواهِيه . . و لم أقضِ من خدمتِكَ
وطرَا . . خسِرَ من أتعبَ لغيرِكَ بدَنَهْ
. . و ألجأَ إلى سواكَ همّهْ . .! الشوقُ
برّحَ بالمُحِبّين و طالَ عليهم الانتظار ..فإلى متى الحَبسْ ؟!
ارحَمْ حشَاشَةَ نفسٍ فيكَ قد ذهَبَت * *
قبلَ المماتِ فهذَا آخرُ الرَّمَقِ
و لو مضَى
الكُلُّ مِنّي لم يَكُن عجبًا * * و إنّمَا عجبِي للبعضِ كيفَ بَقِي !
نسألُ الله التوفيقَ إلى ما يُحبّ ويرضَى ، أقول قولي هذا و أستغفرُ الله
العظيمَ لي ولكم من كل ذنب إنه غفورٌ رحيم . الخطبة
الثانية :
معشر المؤمنين : أعظم لذة في الدنيا الشوق إلى لقاء الله تعالى ، وأعظم لذة في الآخرة النظر إلى وجهه الكريم .
. إنَّهُ يوم المزيد وزيارة العزيز
الحميد ورؤية وجهه المنزَّه عن التمثيل والتشبيه كما تُرى الشمس في الظهيرة
والقمرُ ليلةَ البدر . . !
أعظم لذة في الآخرة
النظر إلى وجه الله الكريم ، قال تعالى: [ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبّها ناظِرَةٌ) [القيامة:22-23) .
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: " كمال النعيم في الدار الآخرة برؤيته، وسماع كلامه، وقربه، ورضوانه،
لا كما يزعم من يزعم أنه لا لذة في الآخرة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب
والملبس والمنكوح، بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق -تعالى- أعظم مما
يخطر بالبال، أو يدور في الخيال "
.
وذلك أنه إذا دخل
أهل الجنة الجنّةَ نادَى المنادي: يا أهل الجنة ، إنّ ربكم -تعالى- يستزيركم فحيَّ
على زيارته! فيقولون سمعا وطاعة، وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا النجائب قد
أعدت لهم، فيستوون على ظهورها مسرعين . حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الذي جُعِلَ
لهم موعداً وجمعوا هناك، فلم يغادر الداعي منهم أحداً ؛ أمر الرب تبارك و-تعالى-
بكرسيه فنصب هناك ، ثم نصبت لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد،
ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ثم جلس أدناهم -وليس فيهم دنيء- على كثبان المسك ما
يرون أصحاب الكراسي مثلهم في العطايا.
حتى إذا استقرت بهم مجالسهم واطمأنت بهم أماكنهم نادى المنادي: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه. فيقولون ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا من النار؟.
فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نور أشرقت لهم الجنة فرفعوا رؤوسهم، فإذا الجبار جل جلاله وتقدست أسماؤه قد أشرق عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة، سلام عليكم. فلا ترد التحية بأحسن من قولهم: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
فيتجلى
لهم الرب ويضحك إليهم ويقول: يا أهل الجنة؟ فيكون أول ما يسمعون منه -تعالى-: أين
عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني؟ فهذا يوم المزيد، فاسألوني. فيجتمعون على
كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليك؛ فيكشف لهم الرب -جل جلاله- الحجب ويتجلى لهم،
فيغشاهم من نوره ما لولا أنّ الله -تعالى- قضى أن لا يحترقوا لاحترقوا.
ولا
يبقى في ذلك المجلس أحد إلَّا حاضره ربه -تعالى- محاضرة، حتى إنّه ليقول: يا فلان،
أتذكر يوم فعلت كذا وكذا؟ يذكّره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب، ألم تغفر
لي؟ فيقول: بلى، بمغفرتي بلغْتَ منزلتك هذه ! . فيــــــــا لَذّةَ الأسماعِ بتلك المحاضرة . .!
ويــــا لذة الأنظار بتلك المناظرة !
ويا قُرّةَ عيون المحبين في الدار الآخرة
. . ويـــا ذِلّةَ الراجعين
بالصفقة الخاسرة ... [ وجوه يومئذ
ناضرة إلى ربها ناظرة ] [حادي الأرواح (195)] !
نسأل الله التوفيق إلى
ما يحب ويرضَى . اللهم حبّب إلينا الإيمان
وزيّنه في قلوبنا ، وكرّه إلينا الكفر و الفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشِدِين
، وصل اللهم وسلّم وبارك على نبيّك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق