مسألة.

السؤال : شيخي ؛ أذنبتُ ذنبًا معيّنًا ، وقد ندمتُ واستغفَرتُ الله ، وأسألُ الله أن يتقبّل منّي توبتِي و يثبتني عليها . .
أسألكُم فضيلة الشيخ عن كيفية الإصلاحِ في التوبة فأحسبُ أنّ عليّ إصلاحَ شيءٍ أفسدتُه بذنبِي . و بارك الله فيكم ؟
الجواب : بسم الله والحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :
أخبر اللهُ سبحانه أنَّهُ يقبلُ توبةَ التائبين مهما عظُمت ذنوبُهم ، ومهما طالت عن الله غيبَتُهم : قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾[الشورى: 25]، وقال سبحانه: ﴿حم . تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ﴾[غافر: 1-3] ، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾[هود: 61]، وقال عزّ شأنه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[الفرقان: 70].
وفي الحديث: أنَّ رسول الله رأى وأصحابُه أُمًّا تضمُّ طفلها إلى صدرها بكلِّ عطف وحنان، فقال لأصحابه : (( أتروْن هذه طارحةً ولدَها في النار؟ )) قالوا: لا والله ، قال: (( لَلَّهُ أرحمُ بعباده مِن هذه بولدها )) أخرجه البخاري .
و لكن ينبغي أن تكونَ التوبة صادقةً نصوحًا ، وهي القائمةُ حقًّا على شروطها المستوفية لحقوقها .
و للتوبة من الذنوب أخي الحبيب شروطٌ أربعةٌ ذكرها أهل العلم :
1 / الندمُ على ما فات - 2 / الإقلاعُ عن المعصية – 3 / العزمُ على عدم العودة إليها مجدّدًا . ثمّ إن كان في الأمرِ حقٌّ للغير :4 / فالإصلاحُ و إرجاع الحقوق .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم ، قبل أن يؤخذ منه ، يوم لا دينار ولا درهم ، فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم يكن له عمل أخذ من سيئات صاحبه فجعلت عليه " ( صحيح الجامع : 6511 ).
هنا في شرط الإصلاح تختلف طريقة الإصلاحِ حسب نوع الذنب [ وهذا من الفقه في الدّين ] :
أ / فإن كان الأذى والظلمُ متعلّقًا بمال أو متاع أو عقارٍ [ شيء مملوك قابل للحيازة ] : وجب إرجاعه إلى صاحبه أو التحلل منه ، أو إلى ورثته من بعده ، أو التصدّق به عليه بعد وفاته ، على هذا الترتيب . . . فتبرأُ بذلك الذمّة [ و هذا هو الإصلاح ]. [[[ المال العام : أشدّ ، لأن خصماءَكَ فيه أربعون مليون جزائري .. فاتق الله و أرجعه إلأى المصلحة التي أُخِذَ منها ، فإن عجزت فاجعلهُ في المصالح العامّة المُشابِهَة للمسلمين ينتفعون به ]]] .
ب / وإن كان الأذَى والظلم متعلّقًا بكلامٍ في الشخص و عرضِه : وجب التحلُّلُ منه والاعتذارُ على وجه العموم دون التصريح بالقول بدقّة ، مع الإحسانِ إليه ، و نشر محاسنه وفضائله ( = ردُّ الاعتبار ) ، والدّعاءُ له بخيري الدنيا والآخرة . . هذا هو الإصلاح في هذه الحالة
ج / وإن كان الأذى والظلم متعلّقًا باتّهامٍ أو بهتان وجب تبرئةُ ساحةِ صَاحِبِه ( = ردُّ الاعتبار ) : قال تعالى : [ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين ] ( يوسف51 ) .
د / و إن كان الذنبُ متعلّقًا بمخالفاتِ الفُروج كالزّنا وغيره (و كالخيانة الزوجية ...) : وجبَ فيه السّترُ على النفسِ والغير وعدم فضح النفس بالإقرار ، مع التوبةِ النصوح إلى الله تعالى بينك وبينه : عن أنس قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله ؛ إني أصبت حدا فأقمه علي . قال : ولم يسأله عنه ، قال وحضرت الصلاة ،فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى النبي الصلاة قام إليه الرجل فقال : يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم فيَّ كتاب الله . قال :" أليس قد صليت معنا " ، قال : نعم [ و في رواية : " توضأت حين أقبلت ؟" قال : نعم ، قال :" هل صليت معنا حين صلينا ؟" قال : نعم ، قال :" اذهب فإن الله تعالى قد عفا عنك " ] . متفق عليه .
الله أكبر . . . ما أعظمَ رحمة الله . . .
هـ / و إن كان الذنبُ متعلّقًا بالضَّرب و العدوان على البدن وجب فيه القصاص ( تمكين الشخص من المماثلة إن كانت ممكنة ) أو التحلّل من صاحبه ( طلب الصفح ) ، أو التعويض المادي او المعنوي بالتراضي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من ضرب بسوط ظلما اقتُصَّ منه يوم القيامة " ( صحيح الجامع : 6374 ) . وقال :" من ضرب ضربا ظلما اقتُصَّ منه يوم القيامة " ( صحيح الأدب المفرد : 186 ) . . ففي الدنيا أولى و أريَح . .
//// و قال تعالى : [ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون ] (المائدة45 ) .
و/ و إن كان الذنبُ متعلّقًا بظُلمٍ يمكنُ أن يُزالَ وجبَ فيه الإبطال : كالسّحر = أبطِلْهُ واتّقِ اللهَ في المسحور ، مع مطلقِ الإحسان إلى صاحبه ، صورة أرجعها إلى صاحبتها و اتق الله ، صور جنسية امحُها و اتق الله ، " بطاقة ذاكرة = كارت ميمْوَار " فيها أشياء ذميمة = حطّمها و اتق الله . .. وهكذا كل ما يمكن إزالة أثره وجب وهو الإصلاح . . .

ز / و إن كان الذنبُ متعلّقًا بظلمٍ لا يمكنُ تدارُكُه بِحال : فهذا هو المصيبةُ التي لا بُدّ فيها من القصاص يوم القيامة ، وما على صاحبه إلا التوبة إلى الله تعالى و الإكثار من الحسنات . [ قتل النفس - نشر صور و فيديو لا يمكن تدارُكُها بحال – التسبُّب في طلاق الغير . . . . . . وما شابه ] .
نسأل الله السلامة والعافية . وبارك الله لنا ولكم في العلم و العمل ، وتقبل منا صالح الأعمال ويسّر لنا الإصلاح و الأوبة والرجوع والانكسار والخشوع .. إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه . .


هل أعجبك الموضوع ؟

هناك تعليقان (2):

  1. بارك الله فيكم ........... اللهم اغفر ذنوبنا

    ردحذف
    الردود
    1. امين يارب وان تكون دعوتك مستجابة

      حذف

كافة الحقوق محفوظة 2015 © ملتقى النبلاء / المبرمج يوسف حجاب