المحاضرة الرمضانية الأخيرة للنساء : الإعداد التبليغي الدّعوي

                                          الإعداد الرسالي للمسلمة
المحاضرة الرابعة  : الإعداد التبليغي الدّعوي

      لا يكتمل الإعداد الرسالي للمرأة المسلمة إلا إذا اكتمل فيها :
الإعداد الإيماني التعبدي  - الإعداد العلمي التكوينِي - الإعداد الاجتماعي الاتّصالي  .
   و يبقى لاستكمال المرأة الوصف السامي للرسالية أن تتحلّى بالدّور " التبليغي الدّعوي النهضَوي التوعَوِي"  .  بمعنى أن تكونَ : مؤمنةً بوجوب التبليغ و الدعوة و التوعية و النهوض بالحياة ، ناقلةً للخير و الهُدَى حسب بيئتها و وضعها و إمكانيّاتها . 
       هذا و الأمة الإسلامية في أمس الحاجة إلى دور المرأة المسلمة الداعية إلى النهضة و الخير ، التي تبذل جهدها في الدعوة إلى الله -عز وجل- أينما حلّت . وقد ساهمت عدة أسباب في إقصاء دور المراة في النهضة والتغيير منها :
  أ / ضعف ثقة المرأة بنفسِها و بِإمكانياتها وطاقاتها  :  ولا زالت عقدة تفوّق الرجل على المرأة مستحكمة في كثير من الأذهان :  وهذا خطأ كبير ومغالطة مكشوفة  ، فقد ركّبَ اللهُ تعالى في الرجلِ و المرأة كليهما الطاقات و الاستعدادات للعلم والمعرفة و التطبيق و الدعوة و الصبر ، و إنما السبقُ لمن استغلّ هذه الاستعدادات في واقع الحياة: و قد ذكرنا جهود عائشة أم المؤمنين في الدعوة إلى الله : كانت معلمةً للنساء بل والرجال .  وقد أخذ العلم عن عائشة – رضي الله عنها – لوحدها حوالي (299) من الصحابة والتابعين، منهم (67) امرأة . وهؤلاء كلهم يقصدونها في بيتها، الذي كان مدرسة و جامعة لمختلف العلوم، قال الزهري : “لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين، وعلم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل ” .
  أما أم سلمة التي اشتهرت بالفقه، فقد روى عنها كثير من الصحابة والتابعين بلغوا حوالي (101)، منهم (23) امرأة  ، وكذلك عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية الفقيهة، تربية عائشة وتلميذتها، روى القاسم بن محمد أنه قال : "  أتيتها -لطلب العلم- فوجدتها بحرًا لا ينزف " [ سير أعلام النبلاء  4/508 ] .  
  ب / الأعراف الفاسِدَة السائِدَة : التي تنظُر إلى المرأة أنها الضلع القاصر في المجتمع ،  و تنظُرُ إلى طاقاتها و إمكانياتها في التغيير و التأثير و الإصلاح نظرَةً دونيّة ، وتريدُ أن تقصر و ظيفتها و حياتها على حدود جدران بيتها . 
ج / اعتبار جهد المرأة الدعوي جهد ثانوي و أن الرجل وحده يمكنه القيام بأعباء الدعوة و التوعية والنهضة و التغيير .     ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   الدعوة لغة : النّداء أو الطلب  .
اصطلاحًا  : هي كل جهد تبذله الداعية في بيان الحق وإبلاغه بهدف اشتراك الناس في خير الإسلام وهداه .
مشروعية العمل الدعوي النسائي :
 تنوعت الأدلة الشرعية المثبتة لمشروعية العمل التبليغي للمرأة ، ومن هذه المستندات الشرعية على سبيل المثال لا الحصر ما يلي :
أولا : وحدة المقصد الشرعي في مفهوم الاستخلاف : نقرأ قوله تعالى :
قوله تعالى : [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ] ( البقرة : 30 ) . وقوله تعالى : [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  ] ( النور: 55 ) .  وقال سبحانه : [هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ  ] ( هود :من الآية  61 ) . وخلافة الأرض أي إتقان عمارتها على وفق شِرعة الله ، و هذا الحكم يشمل الذكر والأنثى على السواء .
    هذا وقد استقر في عرف الشارع، أن الأحكام المذكورة بصيغة المذكرين، إذا أطلقت ولم تقترن بالمؤنث، فإنها تتناول الرجال والنساء، لأنه يغلب المذكر عند الاجتماع ، فكل خطاب أمر فيه الرجل المسلم بالدعوة إلى الله أمراً مطلقاً - لم يخصص به كونه رجلاً - فالمرأة تشترك معه فيه للمساواة في أصل التكليف .
ثانيًا : الاشتراكُ في وصف العبودية لله  :
قال تعالى : [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] ( الذاريات : 56 ) ، فهذا شاملٌ للرجال والنساء على السواء ، علمًا وعملاً و دعوةً وتبليغًا . ومن ذلك قوله r :" » لا تمنعوا إماء الله بيوت الله «  (البخاري، جمعة 849) ، و هذه رغبة نبوية في مشاركة المسلمة بيتَ الله تعالى في إقامة الصلوات و التعلم و التعليم و الدعوة إلى الله ، وهي دليل قاطع على أن المرأة لها الحق في المشاركة في مجالات وميادين العمل النهضوي الإسلامي و أنه لا يجوزُ إقصاؤُها من الحياة .     
و قد كان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه  يختصم مع زوجته عاتكة حيث كانت كثيرة الصلاة في المسجد و كان عمر يقول لها :» و الله إنك تعلمين أني لا أحب هذا ، فقالت و الله لا أنتهي حتى تنهاني، قال: إني لا أنهاك ، يقول الراوي: و لقد طعن عمر و هي في المسجد« [1].
ثالثًا  : المساواة في الجزاء بين الرجل والمرأة : المرأة أهلٌ للتدين والعبادة و الجزاء ودخول ، كالرجل سواء بسواء :  نقرأ في هذا قوله تعالى : [إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ] ( الأحزاب : 35 ) ، وقوله تعالى  : [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ] ( آل عمران : 195) ، و قال رسول الله r :" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا " ( رواه مسلم ) .  و في إرسال النبي r عليًّا إلى خيبر بالرّايَة قال له  : " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم"  متفق عليه ، الشاهدُ أن الدعوةَ إلى الهداية و الخير ليست مقتصرةً على الرجل ، بل ورد في كتاب الله أمر النساء بها  : في قوله تعالى : [ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ] ( التوبة:71 ) .      
    أم حكيم بنت الحارث ، زوجة عكرمة بن أبي جهل ، أسلمت يوم الفتح ، وأما زوجها عكرمة فقد بقي على شركه ، وفرَّ من مكة فاتجه إلى اليمن ، فلما أسلمت أم حكيم وشعرت بحلاوة الإيمان وحزّ في نفسها ألا يشاركها زوجها في هذا الخير فذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم  وطلبت منه الأمان لزوجها عكرمة ، حتى تأتي به ويسلم على يده صلى الله عليه وسلم  ، فأمنه ، وتوجهت على الفور إلى اليمن ، فلما وجدته هناك أخبرته بأمان الرسول صلى الله عليه وسلم  إذا جاء إليه ليسلم ، وقد استطاعت أن تقنعه فرجع معها وأسلم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم  وحسن إسلامه ، بل إنه أصبح قائداً للفرقة التي بايعت على الموت في معركة اليرموك التي استشهد فيها .
   قصّة أم شُرَيك القُرشيّة :  رضي الله عنهما اسمها غَزِيّة بنت جابر العامرية ، وقع في قلبها الإسلام ، فأسلمت وهي بمكة ، وكانت تحت أبي العكر الدوسي ، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سراً فتدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة ، فأخذوها وقالوا: " لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا ولكنا سنردك إليهم" .  
     قالت رضي الله عنها : "لقد جاء قوم زوجي فارتحلوا بنا من دارنا ونحن كنا بذي الخَلَصَة، وكان هو من صنعاء، فساروا يريدون منزلاً، وحملوني على جمل عجوز هو شر ركابهم وأغلظه، وراحوا يُطعِمُوننِي الخبز بالخل، وحرَّموا عليَّ الماء فلم يَسقُوني قطرة منه ، ثم كان يوم قد انتصف نهاره وسخنت شمسُه ، فنزلوا ثم ضربوا خيمتهم، وتركوني في الشمس حتى ذهب عقلي وسمعي وبصري  ؛ فوالله إني على ذلك، وقد بلغ مني الجَهْد غايته، إذ وجدتُ دلوًا على صدري، فأخذتُه فشربتُ منه نَفَسًا واحدًا، ثم انتُزِع مني الدلو، فذهبتُ أنظر، فإذا هو معلَّق بين السماء والأرض فلم أقدر عليه، ثم تدلَّى إليَّ ثانية فشربت حتى رويت، وأَهْرَقت على رأسي ووجهي وثيابي"  . . .  فلما استيقظوا فإذا هم بأثر الماء ورأوني حسنة الهيئة فقالوا لي: انحللت فأخذت سقاءنا فشربت منه. فقلت: لا والله ما فعلت ذلك كان من الأمر كذا وكذا فقالوا: لئن كنت صادقة فدينك خير من ديننا فنظروا إلى الأسقية فوجدوها كما تركوها وأسلموا بعد ذلك. [ قصتها في صفة الصفوة لابن الجوزي و ذكرَ القصة ابن حجر في الإصابة 4/100 ، و هي في الخصائص الكبرى للسيوطي 2/32 ،  و انظر القصة باختلاف في السياق في دلائل النبوة للبيهقي 6/123 ] . 
مجالات الاستهداف و التبليغ للخير في حياة المرأة  :
هي نفسُ المجالات التي تذوقت حلاوتها في نفسها تنقُلُ خيرَها للعالمين ، ولا تقتصر الدعوة على الفرائض و الشعائر كالصلاة والصيام إنما تتناول إصلاح و بناء جميع مجالات الحياة للمرأة و غيرها إيمانًا وتعبُّدًا ووعيًا وقيِمًا و أخلاقًا ومنهج حياة .
  نسبَةُ الجهد التبليغي [الخير الذي يجب إيصاله وتبيلغه ما مقداره ؟ ]  :
      المطلوبُ إيصالِ مُطْلَقِ الخير والحق والنور و الهدى كُلاّ بحسبه  ، و قد أطلقَ الشرعُ في المحتوى التبليغِي للخير : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اله صلى الله عليه وسلم : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا  " ( صحيح : سنن أبي داود 4609 ) . وقال صلى الله عليه وسلم  : " من دلّ على خيرٍ فله مثلُ أجر فاعله " .  و قال صلى الله عليه وسلم : " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " ( صحيح الجامع : 6765  ) . و قال صلى الله عليه وسلم : "بلغوا عني ولو آية  " رواه البخاري .
    أولاً :  المشاركة في الإعداد الإيماني للنساء و الجيل : مهما كان موقِعُ المرأةِ فيجب عليها المشاركة في الهدف الأساسي الذي ينبني عليه كل نهوض و ارتقاء  " نشر التوحيد و بناء أصول الإيمان في القلوب لتظهر في الحياة و الدروب  " ، وهذا الهدفُ مستمِرٌّ في الزّمن لا يتوقّف أبدًا :
   ففي التربية على التوحيد : يجب تحرير المرأة من كل العبوديات المزيّفة في الحياة   : قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوت ،و قال الله تعالى  : [ومَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون ] ( الذاريات : 56 ) ، فالعبادة هي الغايةُ الوحيدَةُ للخلق بنص الآية ، و لها مفهومٌ يسَعُ حركةَ الإنسانِ و جميعَ نشاطَاته في الحياة ، و الدّعوةُ النسائية مطالبةٌ بإحياءِ هذا المفهومِ و المحافظة عليه .
    يجب تخليصها من عبادة الحجارَة و الطّين ، كما القبور و الأوثَان ، كما الجن و السّحرة  والشيطَان ، كما المصالح و الأهواء النفسية ،  كما الشعارات التي تريدُ إيقاعها في العبودية ، كما الأعراف والتقاليد الزائغة ، كذلك العبودية للأموال و الممتلكَات و المدنيّة و الفن . . باختصار : لسائر المعبودات المذلة للمرأة المحطّمة لكيانها و إيمانها ومنهجها في الحياة و التي تجعلها عبدًا لاهتمامات تافهة هامشيّة . 
     الإسلام حرّرها و جعلها عبدًا لله وحده لا شريك له ، و كل شيءٍ مسخّر في يدها و في خدمتها ، قال r :" تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شك فلا انتقش " :
     عن أسماء رضي الله عنها قالت:"لما خرج رسول الله r وخرج أبو بكر معه،احتمل أبو بكر ماله كله ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف،فانطلق بها معه،قالت:فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره،فقال:إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه،قالت:قلت؛كلا يا أبت،إنه ترك لنا خيرا كثيرا،قالت:فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت التي كان أبي يضع فيها ماله،ثم وضعت عليها ثوبا،ثم أخذت بيده فقلت:يا أبت ضع يدك على هذا المال.قالت:فوضع يده عليه،فقال:لا بأس إذا ترك لكم هذا فقد أحسن،وفي هذا بلاغ لكم،قالت:ولا والله ما ترك لنا شيئا،ولكني أردت أن أسكت الشيخ بذلك"[2].  
      و في التربية على الإيمان بالله و باليوم الآخر  : تعِي المرأة ذاتها و حقيقتها وحقيقة الحياة الدنيا ونسبتَها إلى الآخرة ، كما تتخلص النفسُ من الصراعات الداخلية  و أزمة الفراغ والخواء الرّوحي و تجعل للمرأة آفاقًا من الاهتمامات السامية تفوقُ أُفق الاهتمامات التافهة .    
  ثانيًا : المشاركة في التربية التعبّدية للنساء و الجيل و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إقامة شريعة الله حيثُما كانت  : العبادة أساسُها الاستسلامُ لحكم الله بأداء الفرائض و الطاعات ،  وترك المحرّمَات و المنكرات ، و التزام حدود الله و آداب الإسلام و البعد عن التقاليد الجاهلية الراكدة والوافدة، قال تعالى : )وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِينا( (الأحزاب36).
    و خاصّة أقرب الناس إليها ثم الأقرب فالأقرب : قال تعالى :  [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة ] (التحريم: من الآية 6) .وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسئول عن رغيته ، والمرأة راعية وهي مسئولة عن رعيتها " .
   روى الإمام ابن سعد عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه قالت :  " رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر رضي عنهما ، وعليها خمار رقيق يشفّ عن جيبها ‏، فشقّته عائشة رضي الله عنها ، وقالت :أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور ؟ ثم دعت بخمار فكستها "  . و  روى الإمام أحمد عن دقرة أم عبد الرحمن أذينة قالت :‏"  كنا نطوف بالبيت مع أم المؤمنين رضي الله عنها فرأت على امرأة برداً فيه تصليب ، فقالت أم ‏المؤمنين رضي الله عنها :" اطرَحيه اطرحيه ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ‏نحو هذا قضبه " أي قطعه .‏  فالمسلمة محتسِبَةٌ بعلمها وخُلُقها في كل مكان . 
 ثالثًا  : المشاركة في التربية العلمية و الفقهية للنساء و الجيل :      
التأهيل النَّخبَوي : و المقصودُ به السعي لإيجاد القيادَات العلمية النسوية التي تتميز بالكفاءَة والاقتدار ( نواة البناء و الإصلاح والنهضة والتغيير ) ، وهذا لا يتأتّى إلا بالصبر على التكوين و الدعوة إلى طلب العلم في المسجد و المراكز الدعوية والعلمية و الجامعات : و لقد اكتشفت دراسات معاصرة للعصور الأولى للوحي إسهامات ثمانية آلاف امرأة هنّ قيادَات علمية في كل العلوم الإسلامية كالحديث والتفسير والفقه [ انظر مقال : دور النساء المسلمات في بناء الحضارة ج 2   د أسماء المرابِط ] .       
     وذكر الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه ( المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي ) :  أن العديد من مدارس البنات التي كانت تعرف بـ (دور الفقيهات) كانت منتشرة في الكثير من أحياء المغرب، وأن بعض الوجيهات كن يشرفن عليها، انطلاقا من رغبتهن في تعميم المعرفة ونشر الخير والفضيلة في المجتمع.
التأهيل الفقهي الارتكازي : و المقصودُ به " فرض العين " الذي لا يسعُ المسلمَةَ جهلُهُ ولا تركُه :
من فروض فقهية عامّة و الخاصّة بالمرأة على وجه الخصوص  : من أحكام الصلاة والطهارة و سائر فروض الأعيانِ ، مع أحكام اللباس و الزينة و الزواج و الحقوق والواجبات و . .  .  
رابعًا : المشاركة في التأهيل الفكري للجيل والمرأة  : 
   ومعناه تمكين النساء من إدراكُ الوظيفةِ و الرسالة في الحياة ، و فهم حقيقة دِينِهن وما يُحيطُ بهن من عقبات و تحدّيات و شُبهات [ الغزو الثقافي ، أثر وسائل الإعلام ، خطط أعداء الإسلام  . . ] ،  مع إدراك السبيل للخروجِ بالنفس و المجتمع و الأسرة منها . فلا بُدّ من رفع مستوى وعي المرأة وإدراكها لواقعها والتغيرات الضخمة الحاصلة فيه .  
خامسًا : المشاركة في بناء الوعي العام للنساء :  و هذا مجالٌ مهمٌّ جدًّا ، و هو مطلوبٌ خاصّة من طرف المتخصصات في العلوم :  كالوعي الصحي من طرف المتخصصات في الطب والصحة ، و الوعي القانوني من طرف المتخصصات في القانون ، و الوعي التربوي من طرف التربويّات والمتخصصات في علم النفس  ، و الوعي الاجتماعي من طرف المتخصصات في علم الاجتماع . .  و هكذا  . . .  
سادسًا : المشاركة في التأهيل المهَاري للمرأة المسلمة  :  و المقصودُ به اكتساب المرأة لمختلف المهارات التي تجعلها رائِدَةً في حياتها الدينية والدنيوية : الدنيوية مثل الإدارة المنزلية و التخطيط والبرمجة ، الإسعافات ، الديكور ، التجميل ، الطبخ ، الخياطة . . . .   /////  و الدينية مثل  : فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .  .  الأسلوب و الخطاب الدعوي  . . . العمل الإغاثي التطوعي . . تنظيم الدورات العلمية والتربوية . . إنشاء المجلات و دور الحضانة و المراكز الثقافية النسوية و مراكز التدريب و التأهيل ذات البرامج العالية  . .  
  بهذا التكامل تكون المرأة قد قامت بدورها في التبليغ والنهضة و بناء الوعي الرسالي في الحياة  . .و بالتالي  المشاركة الحقيقية في بناء الشهود الحضاري للمسلمين .
            هذا وصل اللهم وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين .




      
   
   





) المصنف لعبد الرزاق الجزء 3 صفحة 148. [1]
[2] - حسن:رواه أحمد(3/350)،والطبراني في الكبير(24/188ح235)،من طريق ابن إسحاق وسنده حسن،والحاكم في"المستدرك"(3/8-9)،وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

هل أعجبك الموضوع ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كافة الحقوق محفوظة 2015 © ملتقى النبلاء / المبرمج يوسف حجاب