سلسلة خطب الجمعة: أرشيف لله ثم للتاريخ دروس من مجازر غزَّة 5

سلسلة خطب الجمعة: أرشيف لله ثم للتاريخ  دروس من مجازر غزَّة 5 . .  : 02 صفر 1430هـ/30 جانفي2009م

                                        انتبه :   الصراع واحد . .إنما الاختلاف في التوقيت فحسب . . 

الاستفتاح بخطبة الحاجة،ثم أما بعد : لا نزالُ –معشر المؤمنين- نقطفُ الفوائد ونستقي العبر والدروسَ من حوادثِ غزَّةَ الجريحة،هذه الحوادث التي كتبَ اللهُ لهذا الجيل رؤيتَها ورؤيةَ ما صاحبَها من مواقفَ الخَوَنةِ الأنذال ومواقفَ الرّجال الأبطال ،ثمَّ رؤيةَ الفَرقِ بين الموقفين والاستبشارِ عيانًا بنُصرة الله للمؤمنين الصابرين . .
أيها الإخوةُ في الله: كنَّا نسمعُ عن غزو التتار للأمَّةِ المُسلمة كيف كان التتارُ يلتهمون أراضيَ الدَّولة الإسلاميَّة وشعبها،كيف كانوا -وهم أكثرُ من مائتي ألف- يحصُدُونَ الأخضر واليابس،لا يقفُ في طريقهم شيءٌ ولا يصدُّهُم صاد،كنَّا نقرأُ عن الأمَّةِ حين ماتَت فيها المقاوَمةُ أو كادت بعد أن ماتَ منها الضَّميرُ كيف كانت تحفُرُ الخنادق حين تسمعُ بزحوفِ التتار قادمةً،لا تحفُرُ الخنادقَ للقتال وإنَّما للهروب والتَّخَفِّي من ذلكَ الجَحيم،كنَّا نقرأُ عن الأعداد الهائلة من الناس في بغداد كيف كانت تتخفَّى في المقابر و المطامير و المساجدِ و فوقَ أسطُح المنازل ترجُفُ من الخوف،بل كيفَ كانت تتخفَّى –أكرمكم اللهُ – في أماكن الحُشُوش وقنوات الوَسَخ حتَّى تُرفسَ فيها،وحتَّى يجيءَ الرَّجُلُ التَّتَري فيخلعُ الباب،يتخيَّرُ ما يشاءُ من البناتِ والنِّساء ثمَّ يذبحُ الباقي ويلقيهم من على أسطُح المنازل،كنَّا نقرأُ ذلك ونتعجَّبُ من أحفاد عُمَرَ وخالد وعبيدة ما الذي أصابَهم . .!  ، كنَّا نقرأُ عن الرَّجُل التَّتَري كيفَ كان يُمسكُ بيده أربعينَ من المسلمين ثمَّ يأمُرُهم بالانتظار في مكانهم كالخِرَاف حتَّى يذهبَ ويجيئَهم بالسّكّين للذبح،فيذبَحُهُم جميعًا واحدًا تلوَ الآخَر..!!
   كنَّا نقرأُ عن الخليفة العباسي المستعصم كيفَ خرجَ إلى التتار- لا لقتالهم والدّفاع عن الأرض والعِرض- وإنَّما خرجَ يحملُ شيئًا كثيرًا من الذَّهب والحُلي والمَصاغ والجواهر النفيسة،قدَّمَها بين يدي هولاكُو،خرجَ مع أهله وخَدمه وحشمه والقضاة و الفقهاء والصوفية،فماذا كانت النتيجة،فرَّقَ هولاكو الجواهر على أمرائه الأشاوس،وقَتَلوا الحاضرينَ عن بَكرَة أبيهم ثمَّ وضعُوا الخليفةَ في كيس وقتلوهُ رفسًا بالأقدام ثم ألقَوهُ في النَّهر.. وأسرُوا أخواتِهِ خديجة وفاطمة ومريم واقتسموا من جَوَاري قصر الخلافة ما يقاربُ ألفَ جارية .. ! ، كُنَّا نتعجَّبُ ماذا تفعلُ ألفُ جاريةٍ في القصر،وكنَّا نتعجَّبُ من تلك النهايةِ متسائلين: هل كانَ يحدُثُ ذلك لو كان الخليفةُ أبا بَكر أو عمر ،أو علي أو عُبيدة أو المقداد .. ؟!
  كنَّا نقرأُ كيفَ كان يُستدعى الأميرُ من بني العباسِ فيخرُجُ صاغرًا ذليلاً مع أولاده وبناته ونسائِهِ وجواريه إلى هولاكُو فتُقسمُ بين يديهِ بناتُهُ ونساؤُه وجواريه ،ثمَّ يُذبحُ أمامهم كما تُذبحُ الشاة..!
  كنَّا نقرأُ كيفَ أبادَ التتارُ ثمانمائَةَ ألف بين رجُل وامرأة وطفل وشيخ ..! وكيفَ فسدَ الهواءُ وتعفَّنَ من أثر رائحة القتلى حتَّى أصابَ النَّاسَ الوباءُ ووصلَ إلى الشَّام  . .  كُنَّا نقفُ ذاهلين من هول ما وقعَ متسائلين : لماذا لم يُدافعوا بهذا العدد عن أرضهم وعرضهم فيموتوا حين يموتوا موتَ الشُّرَفاء،إمَّا النصرُ المؤزَّر وإمَّا الموتُ بالشَّرَف قبل رؤيةِ النِّساءِ في أيدي التتار الهَمَج..! 
  بحثنا عن الأسبابِ الرئيسيةِ فإذا بنا نجدها في حديث صحيح(صحيح الجامع:423) للنبيr أخبر به المسلمين وأنذرَهم،حتى يعدُّوا للأمر عُدَّتَهُ وللخطب أهُبته:  عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:  قال رسول الله r :"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".
  عرفنا حينئذٍ الأسبابَ الحقيقيَّةَ الرئيسيَّةَ لتنزُّلِ الذُّل،إنَّها ثلاثةُ أسباب إذا حصلت في العامة والعلماء والأمراء حصلَ الذُّلُّ ولو كان عددُ المسلمين مليارًا أو أكثَر،وإذا اختفت حصلَ النَّصرُ ولو كانُوا أقلَّ من عدُوِّهم :
السببُ الأوَّلُ: الانغماسُ في معصية الله وترك الطاعة،وأشار إليها النبيُّr بقوله:" إذا تبايعتم بالعينة" والعينة نوعٌ من أنواع الرِّبا –نسألُ الله العافية- .
والسببُ الثاني : الانغماسُ في الشهوات والملذَّات :  وأشار إليها النبيُّr بقوله:" وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع " وهو تصويرٌ واضحٌ للاشتغال بالدنيا عن الدِّين،فرحٌ بالزرع والحَبْ،وجريٌ خلفَ البقرة التي تجُرُّ المحراث وتدُرُّ الحليب...!
والسببُ الثالثُ : تركُ الجهادِ في سبيل الله دفاعًا عن الدِّين والأرض والعِرض،تركٌ يحملُ عليه حبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموت . .   هذه ثلاثةُ أسبابٍ مترابطة لتنزُّلِ الذُّل على المسلمين،وعكسُها يوجبُ تنزُّلَ النَّصر ولو كان المسلمون أقلَّ عددًا وعُدَّة..
  معشر المؤمنين : لله تعالى سنَنٌ لا تُحابي أحدًا،قال سبحانه: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم((النور:63)..  حين نرجِعُ إلى الخلافةِ العباسية في نهايتها نجدِ الأسبابَ نفسَها وراءَ سقوطها على يد التَّتار،والمقامُ لا يحتملُ البسط وإلاَّ بسطنا  . .!
  في بداية الدولة العباسية أخذت فعلاً بأسباب النجاح المادية والمعنوية،من قيادة حكيمة ووضوح في المنهج وإعداد للأفراد ومحاربة أسباب الفرقة والأخذ بأصول الاجتماع والتوحُّد،والتفرُّغ للمشروع العباسي، وتقسيم الأدوار والتخطيط السليم والإدارة الناجحة والدعاية الإعلامية والحيطة والحذر من الأعداء مع تقوى الله تعالى وصلاح واضحٍ في جمهورِ النَّاس والأُمراءِ والعُلماء . .
 ثم حصلَ في نهايتها تصدُّعٌ واضح :  بعدٌ واضحٌ  عن شرع الله في الأمور الدينية والاجتماعية و السياسية والمالية،ظُلمٌ للأفراد وسفكٌ للدِّماء بغير حق وتفرُّقٌ وتقاتُل،عدمُ التزامٍ بالعُهود،فسادُ العُلماء الذين كانوا يمالئُون السلاطينَ إلاَّ من رحمَ اللهُ من العلماء الربَّانيّين،اشتغالُ الأُمَراءِ بفنُونِ اللَّذَّةِ عن التفرُّغِ لفنون القوَّةِ والمُهمَّات، وتورُّطُ الخُلفاء والأمَراء في التَّرَف والفساد والتنَعُّم والاهتمام بالجواري والغَوَاني والغناء، ويكفي أنَّهُ كانَ في قصر الخليفة ألفُ جاريةٍ بكر صغيرة،بل وقُتلت بين يديه أجملُ الجواري بسهم ألقاهُ التتار دخلَ من النافذة وقد كانت تلك الجاريةُ ترقصُ بين يديه. . بالإضافةِ إلى ترك الجهاد في سبيل الله و الخوفُ والفزع من الأعداء، وفقد روح التضحية التي سادت بها الأمم ،وهذه قاصمةُ الظَّهر؛فبالجهادِ انتصرَت الأمَّةُ على فارسَ والرُّوم وبالجهادِ والروح المعنوية حفظَت أكبادَها وصنَعت أمجادَها،وحينَ تركت الجهادَ في سبيل الله -محبَّةً في الحياة وخوفًا من الموت- قلَّت على كثرة عددها،وذلَّت على عزَّتِها وسؤدُدِها ...!
نسأل الله التوفيق إلى ما يحب ويرضى،أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
أيها الإخوةُ في الله:  إنَّ من سنن الله تعالى المستخرجة من حقائق الدين والتاريخ أنَّهُ إذا عُصيَ اللهُ تعالى ممن يعرفونه سلَّطَ عليهم من لا يعرفُونَه،وإنَّ الذنوبَ التي يُهلكَ اللهُ بها المسلمين بيَّنها الحديثُ الماضي وهي ترجعُ إلى أمرين :  تركُ ما جاءت به الرُّسُل ومجانبةُ ما دَعوا إليه ورغَّبُوا فيه – والثاني : هو تركُ الجهاد في سبيله انغماسًا في الشهوات وحبًّا للحياة وخوفًا من الوفاة . .
  ابحث في أي نصر كتبه اللهُ تعالى للمؤمنين رغم قلَّتهم ضدَّ أعدائهم رغم كثرتهم وقوَّتهم تجد العواملَ التي ترسُمُ النَّصرَ واضحةً وُضُوحَ الشمس في رائعة النَّهار :
   وجودُ القيادة الربانية الصالحة في المجال الجهادي والمَدَني،ونلاحظُ الصفات المشتركة بينهم في كل جيل : من سلامة المعتقَد وكثرة العبادة والعلم الشرعي والثقة بالله والقدوة والصدق والكفاءة والشجاعة والمروءة والزهد وحب التضحية والفداء وحسن الاختيار للمعاونين وعلو الهمة والحزم والإرادة القوية والروح المعنوية العالية والقدرة على إعداد القَادَة والتربية . .
    لقد قادَ  محمد الفاتح الأمَّةَ في زمنه قيادةً ربَّانية،وقد جرى الإيمانُ في قلبه و عروقه،وانعكست ثمارُهُ على جوارحه،وتفجَّرت صفاتُ التقوى في أعماله وسكناته وأحواله،وانتقل بدولته وشعبه نحو الأهداف المرسومة بخطوات ثابتة،وكان العلماءُ الربانيُّون هم قلبَ القيادَة في الدولة وعقلَها المُفكّر . .
   الملكُ نور الدّين محمود بن زنكي: الذي خطط لفتح بيت المقدس وتمَّ ذلك على يدي صلاح الدّين الأيوبي : قال الإمام ابن الأثير :" لم يكن بعد عمرَ بنَ عبد العزيز مثلَ الملكِ نور الدين،ولا أكثر تحرّيًّا للعدل والإنصاف منه،وكانت له دكاكين بحمص يقتاتُ منها،واستفتى العلماءَ في مقدار ما يحل له من بيت المال فكان يتناولُهُ لا يزيدُ عليه ولو مات جوعًا،وكان يُكثرُ اللَّعبَ بالكُرة فعاتبه رجلٌ من كبار الصالحين في ذلك فقال: "إنما الأعمال بالنيَّات،وإنما أريدُ بذلك تمرينَ الخيل على الكرّ والفَر،ونحن لا نتركُ الجهاد " ، وكان لا يلبسُ الحرير،وكان فقيهًا على مذهب أبي حنيفة،سمعَ الحديثَ وأسمعه،وكان كثيرَ الصلاة بالليل من وقت السَّحَر إلى أن يركَب ،وكذلك كانت زوجته  "عصمت الدّين خاتُون " تُكثرُ القيامَ في الليل..
 كان يصلُ إليه القوي والضعيف،فكان يُكَلّمُ الناس ويستفهُمُهم ويخاطبهم بنفسه،فيكشفُ المَظَالم ويُنصفُ المظلومَ من الظالم ..
 وأما شجاعتهُ فيقال :إنَّهُ لم يُرَ على ظهر فرس قطُّ أشجعَ ولا أثبتَ منه،وكان حَسَنَ اللَّعب بالكُرة،وكان رُبَّما ضربها ثم يسوقُ وراءَها ويأخُذُها من الهواء بيده،ثم يرميها إلى آخر الميدان ،كان يقول: قد تعرَّضتُ للشهادة غير مرَّة فلم يتَّفق لي ذلك،ولو كان فيَّ خيرٌ ولي عند الله قيمَة لرزقنيها والأعمال بالنيَّة..!
  كان إذا دخلَ إليه أحدُ الفقهاء أو الفقراء قامَ إليه ومشى معه خطوات وأجلسه معه على سجَّادَته في وقار وسكون .. ومناقبهُ ومآثرهُ كثيرةٌ جدًّا،ذكرنا نبذةً يستدلُّ بها على ما وراءَها ..! هذا الأسدُ الهصُور كان يقول: " لو كان معي ألفُ فارس لا أبالي بأعدائي قلُّوا أم كثُرُوا،والله لا أستظلُّ بجدار حتَّى آخُذَ بثأر الإسلام وثأري "[1]. كان على ثقة تامة بفتح القُدس وصنع منبرًا لمسجد القُدس فعاجلته المنيَّة قبل رؤية المنبر والفَتح،وبعد عشرين سنة فتحها صلاحُ الدين الأيوبي ووضعَ المنبر في المسجد..!
  أيها الإخوةُ في الله: هذا غيضٌ من فيض،ولولا المَقامُ لبسطنا الأمثلةَ والكلامَ ..
تذكَّرُوا النّقاطَ الثلاث التي تستجلبُ الذُّلَّ والفَشل : معصيةُ الله تعالى والانغماسُ في الترف والشهوات وتركُ سبيل الجهاد في سبيل الله بما تحمله الكلمة من شمولية بالمال والنفس والكلمة والنيَّة و القُوَّة والإعداد والتربية . .
واستنبطُوا النّقاطَ الثلاث التي تستجلبُ النصرَ والتمكين :  طاعةُ الله تعالى وتقواهُ في السرّ والعلانية ،والإقبالُ على الآخرة بالقلب والعمل،والجهادُ في سبيل الله بما تحمله الكلمة من شمولية بالمال والنفس والكلمة والنيَّة و القُوَّة والإعداد والتربية . .
  اجعلوها في نفوسكم وابعثوها في أولادكم وأحفادكم . .تنبعث فيكم نسماتُ العزّ والتمكين وتتحدَّدُ فيكم أخبارُ الصالحين الفاتحين . . .
   نسأل الله التوفيقَ إلى ما يحب ويرضى  . .  اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان،واجعلنا من الراشدين  . .
  





[1] - التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية لابن الأثير (ص 117 -118) .
أكمل القراءة

من أحكام الوليمة في الفقه الإسلامي :

                 من أحكام الوليمة في الفقه الإسلامي :
الوليمة : طعام العُرس خاصّةً ، و هي مشتَقّةٌ من الوَلمِ أي الجمعِ ، سُمّي بذلك لأنَّ سببه " اجتماعُ الزوجين " ، وهي طعامٌ يصنعه الرجلُ لأجل الزواج و اجتماع الزوجين  .
[ فائدة في الأطعمة : 2 / الشندخ أو طعام الإملاك :وهو طعام التزوج . ذكره في الفتح ، وهو قبل الدخول بالمتزوج بها . والوليمة طعام العرس بعد الدخول بها  3 / الوكيرة : هي للسكن المتجدد ، مأخوذة من الوكر وهو المأوى والمستقر . 4 /  الإعذار أو العذيرة :وهي التي تصنع للختان 5 / العقيقة : الذبح لأجل الولد .. يصنع سابع يوم الولادة  6 / الخُرس أو الخرص : تصنع لسلامة المرأة من الطلق 7 / النقيعة : وهو الطعام لقدوم المسافر ، مأخوذ من النقع وهو الغبار ذكر الحافظ أن النقيعة هي الطعام الذي يصنعه المسافر ، وأما الطعام الذي يُصْنَعُ للمسافر فيسمى التحفة  .  8 / الوَضيمة : طعام يصنع للمصاب عند المصيبة :  ومنه قولهr :" اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد اتاهم ما يشغلهم " 9/ الجفلى : للناس عامة  10 النَّقرَى  : لقومٍ مخصوصين ]
                           أحكامها و آدابها  :
 حكمها في حق صاحبها :الأقربُ أنها واجبة : للنصوص الشرعية الدالة على هذا  : لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "أولم ولو بشاة"  . وبما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: "شر الطعام طعام الوليمة، يدعى الغني، ويترك المسكين، وهي حق".   وبما رواه أحمد عن بريدة رضي الله عنه قال: لما خطب علي فاطمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه لابد للعروس من وليمة" .
         وقتها  :الأفضل فعلُ وليمة النكاح بعد الدخول اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يتيسر ذلك فلا حرج من فعلها قبل الدخول ، قال الحافظ ابن حجر : " وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي وَقْتهَا ، هَلْ هُوَ عِنْد الْعَقْد ، أَوْ عَقِبه ، أَوْ عِنْد الدُّخُول ، أَوْ عَقِبه ، أَوْ مُوَسَّع مِنْ اِبْتِدَاء الْعَقْد إِلَى اِنْتِهَاء الدُّخُول ، عَلَى أَقْوَال" انتهى"فتح الباري" (9/230) .  
   وَاسْتَحَبَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة أَنْ تَكُون عِنْد الْبِنَاء وَيَقَع الدُّخُول عَقِبهَا ، وَعَلَيْهِ عَمَل النَّاس الْيَوْم " . انتهى . فتح الباري " (9/231) .
    والمنقول من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها بعد الدخول : لحديث أنس رواه البخاري (4793) ومسلم (1428) بلفظ :  "  أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ " . وقد ترجم عليه البيهقي (باب : وقت الوليمة)" . والأمرُ كما قلنا واسعٌ و كما قال ابن طولون : " والأقرب : الرجوع إلى العرف ". انتهى من "فص الخواتم فيما قيل في الولائم"  صـ 44 .
   صفةُ طعامها  :  ليسَ لها حدٌّ تنتهي عنده بل هي على قدر الوُجودِ واليسار : قال ابن بطال : " الوليمة إنما تجب على قدر الوجود واليسار ، وليس فيها حدٌّ لا يجوز الاقتصار على دونه " . انتهى من " شرح صحيح البخاري" (13 / 283) وقال : " كل من زاد في وليمته فهو أفضل ؛ لأن ذلك زيادة في الإعلان ، واستزادة من الدعاء بالبركة في الأهل والمال " انتهى من " شرح صحيح البخاري" (13 /282) . وقد ثبت عنه r الوليمة باللحم وبدون لحم .
 حكم إجابتها  : إجابة دعوة العرس واجبة ما لم يكن هناك مانع شرعي عُلِمَ فلا تلزمُ الإجابة ، والدليل على ذلك :  ما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدُكم إلى الوليمة فليأتها"  .   وعن أبي هريرة يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "ومن لم يجب الدعوة فقد عصى اللهَ ورسوله" [ من الموانع الشرعية وجود المنكرات :" روى الطبراني عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: " أعرستُ في عهد أبي، فآذن أبي الناس، فكان أبو أيوب فيمن آذنا، وقد ستروا بيتي ببجاد أخضر، فأقبل أبو أيوب فاطلع فرآه، فقال: يا عبد الله، أتسترون الجدر؟ فقال أبي واستحيا: غلبنا عليه النساء يا أبا أيوب .  فقال أبو أيوب: مَنْ كنت أخشى عليه، فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاماً؛ فرجع  " ////// وما أنكِر على ابن عمر أنكره هو فيما بعد، قال الحافظ ابن حجر: فروينا في كتـاب "الزهد" لأحمد عن طريق عبد الله بن عتبة قال: دخل ابن عمر بيت رجل دعاه إلى عرس فإذا بيته قد ستر بالكُرُور ( سِتر )  فقال ابن عمر: يا فلان، متى تحولت الكعبة في بيتك؟ ثم قال لنفر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: ليهتك كل رجل ما يليه.  ]
 تكرارها  :
 اختلف أهل العلم رحمهم الله في تكرار وليمة العرس اليومين، والثلاثة، والسبعة، فمنهم من استحب ذلك للموسر، ومنهم من كرهه خشية الرياء والسمعة، ولم يأت عن صاحب الشريعة في ذلك حد صحيح  . .و المرجع إلى العرف و تقصّد الإكرام لا الرياء .
 صفة الدعوة إليها  :  إما أن تكون الوليمة عامّة أو يجري العُرف بأنها بالدّعوة ، فإن كانت عامةً فلا إشكال ، أما إذا كانت بالدّعوة فلا يُشرعُ الأكلُ منها إلا بإذن :
روى البخاري ومسلم عن أبي مسعود قال جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب ، فقال لغلام له قصاب : اجعل لي طعاما يكفي خمسة ، فإني أريد أن أدعو النبي صلى الله عليه وسلم خامس خمسة ، فإني قد عرفت في وجهه الجوع ، فدعاهم ، فجاء معهم رجل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :  " إن هذا قد تبعنا ، فإن شئت أن تأذن له فأذن له ، وإن شئت أن يَرجع رَجَع  " . فقال : لا ، بل قد أَذِنْتُ له  " .
الحضور إلى الوليمة بدون دعوة  هو التطفل ؟ :  و فيه على أهل العرس في عُرفِنَا  الضرر والحرج   :  قال الإمام العيني : "  الرجل الذي يتبع بلا دعوة يُسمى طفيليا ، منسوبا إلى رجل من أهل الكوفة يقال له طفيل من بني عبد الله بن غطفان كان يأتي الولائم من غير أن يُدعى إليها ، وكان يُقال له : طفيل الأعراس ! وهذه الشهرة إنما اشتهر بها من كان بهذه الصفة بعد الطفيل المذكور . اهـ . و قال الإمام الرملي في نهاية المحتاج:  "  يفسق به إن تكرر " .

     
أكمل القراءة

سلسلة " لله ثم للتاريخ " دروس من مجازر غزة 4. .

سلسلة خطب جمعة " أرشيف لله ثم للتاريخ " دروس من مجازر غزة 4. .               25 محرم 1430هـ/23 جانفي2009م

                                                انتبه :   الصراع واحد . .إنما الاختلاف في التوقيت فحسب . . 

الاستفتاح بخطبة الحاجة،ثم أما بعد : أيها الإخوةُ في الله :
   إنَّ من أعظم ثمرات العقول نعمةُ التفكُّر والتدبُّر والاعتبار،وإنَّ عقلاً حُرِمَ نعمةَ الاتّعاظ والاعتبار لحريٌّ أن يُعدَّ صاحبُهُ في غير العُقلاء، ويندرجَ في غير الأحياء..  وفي أحداث الحرب الصهيونية على غزَّة دروسٌ وعبر للعقلاء والأحياء ،دروسٌ تستوقفُ النَّظَرَ وتستدعي التأمَّلَ والتفكُّر،لأنَّها ستتَكرَّرُ لا شكَّ في ذلك إنْ في فلسطين أو في غيرها،تحقيقًا لسنَّة الله الماضية : ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا ﴾ (البقرة:217)،أي سوفَ يستمرُّون في قتالكم شئتُم أم أبيتُم،حتَّى لو دعوتُم للسلام و المصالحة وجَنَحتُم معهم للسلم فسوفَ يقاتلونَكم ،قال سبحانه :﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾(البقرة:120)...
  هذه الأحداثُ الجريحةُ الدامية-على مرارتها- علَّمتنا الكثيرَ الكثير،كشفت حقائقَ وحقائق،لولا هذه الأحداثُ ما انكشفت ولا ظَهَرت،وهذه سُنَّة الله تعالى في إخراج المنحِ الجليلةِ من رحِمِ الابتلاءات والفتن.
   وقفتُنا الأولى على طريق التفكُّر والاعتبار : بيانُ حِكَمِ اللهِ تعالى في اصطدام الحق بالباطل،حكمٌ جليلةٌ لا يملكُ العبدُ أمامَها إلاَّ  الإيمانَ والتسليم،يصطدمُ الحقُّ المستضعفُ بالباطل المنتفش،ويشُدُّ اللهُ على أهل الحقّ شَدَّة ،فتُزهقُ أرواحٌ وتكونُ دموعٌ وآلام  وجِراح ،وهذه في حدّ ذاتها رحمة،ثم تُشرقُ شمسُ الانتصار، وإذا بها تظهرُ الرَّحَمَاتُ الحقيقيَّةُ بعد انجلاء الغُبار والدَّمار :
  من هذه الحكَم والرَّحَمَات : ردُّ اللهِ الكافرين بغيظهم وحقدهم لم ينالوا خيرَا،ردُّ هو في حدّ ذاته آيةٌ من آيات الله في انتصار الحقّ الصابر الثابت على الباطل المَزْهُوّ المُنتَفِش .
 من هذه الحكم والرحمات : اصطفاءُ الله تعالى للشهداء،وهو اصطفاءٌ لا بدَّ فيه من ضرب السيوف ومُصابَرة الحُتُوف وتطايُر الأعضاء والأُنُوف،وهل تظُنُّون طريقَ الشهادة سهلاً ميسورَا ..؟! ،أبدًا ليسَ ذلك كذلك فالسعلة غالية والثَّمنُ عزيز،لا يستطيعهُ أصحابُ القلوب المريضة ولا أربابُ الكُروش العريضة
هذا الاصطفاءُ - معشر المؤمنين-رحمةٌ من رحمات الله تعالى لا يكونُ إلا في الحرب،قتلانا في الجنَّة وقتلاهُم في النَّار،إنَّ سيّدَ الشُّهداء حمزةَ t بُقرَ بطنُهُ يوم أُحُد،وجُدع أنفهُ ومُثّلَ بجسده واحتملَ وحشيٌّ كبدَهُ إلى هند،فهل تراهُم أنقصوا من قدر حمزة ومنزلته؟،كلاَّ وحاشَا،هذا طريقُ الجنان لا بدَّ فيه من الثمن:قال رسول اللهr:" رأيتُ الملائكةَ تغسّلُ حمزةَ بن عبد المطلب"(صحيح الجامع:3463)،و قال r:"لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة؛تأكل من ثمارها،وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش،فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا:من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق،لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب؟فقال الله تعالى:أنا أبلغهم عنكم،فأنزل الله﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ﴾"[1].
  كم دفعت غزَّةُ في هذه الحرب  ؟،لم تدفع القتلى ولا الأشلاءَ ولا الأبناء ،بل دفعت ألفًا وثلاثُمِئة  شهيد ،بين عريس وعَرُوس في الجنَّة : في صحيح الجامع(5182) عن المقدامt قال: قال رسول اللهr :" للشهيد عند الله سبع خصال يغفر له في أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة ويحلى حلة الإيمان ويزوج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويشفع في سبعين إنسانا من أهل بيته".
 دفعت الولدانَ الصّغارَ المُخَلَّدينَ الذين يحملون الأباريقَ على حوض رسول اللهr،دفعت شلالات
 من الدّمَاء الزَّكيَّةِ المِسْكِيَّة تزيدُ في قيمَة الدّين والأرض والعرض،دفعت خمسةَ آلاف جريح من الصابرين المرابطين على دينهم وأرضهم وعرضهم ،فما هو حالهم عند الله تعالى ؟ قال رسول اللهr :" من جُرِح جرحًا في سبيل الله أو نُكِب نكبةً فإنها تجئ يوم القيامة كأغزَرَ ما كانت لونها الزعفران وريحها كالمسك "(صحيح: سنن الترمذي 1657) . 
فهل في هذا ما يدعُوا للأسى والحُزن..؟! بل هو شيءٌ يدعُوا للمنافسة والافتخار..وما يلقّاها إلا الصابرون ..!
يـا داميَ العينينِ والكفينِ إنَّ اللَّيْلَ زائلْ
لا غرفةُ السَّجَّانِ باقيةٌ ولا زَرَدُ السلاسلْ
فَحُبُوبُ سنبلةٍ تجفُّ ستملأُ الوادي سنابلْ. .
  أيها الإخوةُ في الله:  ومن حكم الله تعالى ورَحَماته في الحرب بين المؤمنين والكافرين انكشافُ صفّ المنافقين والمُرجفين والمخذّلين،انكشافُهم وافتضاحُهم أمام كلّ عين،قال الله تعالى: )وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين((العنكبوت : 3)،وقال سبحانه: ]وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِين( (العنكبوت:10-11)،وقال سبحانه: ]وليعلمَ الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلمُ قتالاً لاتَّبعناكم هم للكفر يومئذ أقربُ منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلمُ بما يكتمون(167)الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قُتلوا قل فادرءُوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين((آل عمران:167-168).
 المُرجفونَ والمخذّلون أصنافٌ متعددة،منهم من يلبسُون لباسَ الصُّلحاء،وقلوبُهم قلوبُ الذّئاب وجيوبُهم بأيدي الملوكِ وعُبَّاد المال، ومنهم من يظهرُ في السَّرَّاء بزيّ النُّصحاء الأوفياء،ومنهم من الحُكَّام من كان يظُنُّهُ النَّاسُ راعيَ سلام وخادمَ قضيَّة فلسطين،لما حطَّت الفتنةُ أوزارَها ظهرَ المَعدَنُ وانكشفَ الدَّخَن،و والله لقد سمعناهم وسمعهم النَّاسُ أجمعون كيفَ يقولون : هؤلاء ألقَوا بأنفسهم إلى التهلُكة،سوفَ يُسحقون من طرف أقوى جيش في الشرق الأوسط،لقد ورَّطُوا الناسَ وقتلوا شعبَهم،هذا ليسَ بجهاد ولا يُقال لقتيلهم شهيد،حماس أخطرُ على الإسلام من اليهود،حماس ليسوا من أهل السنَّة والجماعة،وبعضهم ألقى خطبةَ جُمُعة كاملة في بيان أخطاء إخوانه في حماس وكشف عوراتهم ،وبعضٌ آخر يمنعُ من القنوت لهم في الصلوات  .  .سبحان الله يُردّدُ نفسَ قول باراك وأولمرت وليفني..!
  ماذا جنَى هؤلاء من أقوالهم ومواقفهم ..؟! هكذا فعلوا من قبلُ  في حرب الخليج ولبنان،وهكذا فعلوا في استجلاب قوَّات الاحتلال إلى الشرق الأوسط في قلب الإسلام..! وما جنوا إلا العار والخزي والشَّنار، وقولَ الله تعالى:] لقد اتبتَغَو الفتنةَ من قبلُ وقلَّبُوا لكَ الأمور حتَّى جاءَ الحقُّ وظهرَ أمرُ الله وهم كارهون((التوبة: 48).
          نسأل الله التوفيق إلى ما يحب ويرضى،أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :

أيها الإخوةُ في الله:    قال سبحانه:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾(محمد:07).  إن الفارق كبيرٌ جدًّا بين واقعنا المخزي وتاريخنا المجيد،ولقد صدق من قال وهو يخاطبنا :" لقد ملَّ آباؤُكم من إطرائكم إياهم،وكأنّي سمعتهم بالأمس يقولون:إن كنتم تفخرون بنا فإنَّا لا نفخرُ بكم،لأنَّ العمالقة لا تلدُ أقزَامًا"[2]،  
ولكننا نتحدث عنهم  من باب قول الشاعر:
                     فعَلِّمْ ما استَطَعْتَ لَعَلَّ جيلاً       سيأتي يُحْدِثُ العجبَ العُجَابَا
الصبرُ في الآباء نبأٌ عظيمٌ من أنبائهم،سطَّروا به في الميدان أروعَ صور النصر والتمكين للحق:
في معركة بدر: كان قوام جيش المشركين نحو ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية سيره،وكان معه مائة فرس وستمائة درع،وجمال كثيرة لا يعرف عددها،وكان قائدُه العام أبا جهل بن هشام،وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش،فكانوا ينحرون يوما تسعا ويوما عشرا من الإبل[3].
أما المؤمنون فكانوا ثلاثمائةً وبضعةَ رجل ليس معهم غيرُ فرسين وسبعين جملاً يتعاقبون على الجمل الواحد بالسويَّة..  / / /    في الطريق قال أبو جهل-وما أشبه الليلة بالبارحة- : والله لا نرجع حتى نرد بدرا،فنقيم بها ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر،وتعزف لنا القيان،وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا،فلا يزالون يهابوننا أبدا[4].  
وماذا كانت النتيجة..؟!
 قال r لأصحابه:"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض،والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة"[5]. فقاموا..
   استقبل نبي الله r القبلة،ثم مد يديه فجعل يهتف بربه(يستغيث به):"اللهم أنجز لي ما وعدتني،اللهم آت ما وعدتني،اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في هذه الأرض"فمازال يهتف بربه،مادا يديه مستقبلا القبلة،حتى سقط رداؤه عن منكبيه،فأنزل الله تعالى:﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾(الأنفال:9)،فأمده الله بالملائكة"[6].  وكيف كان حال المؤمنين في الصفوف..؟
 دعكم من حال الكبار وانظروا حال الشباب الصغار: عن عبد الرحمن بن عوف t قال:"بينما أنا واقف في الصف يوم بدر،نظرت عن يميني وشمالي،فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما،تمنيت لو كنت بين أضلع منهما(أقوى وأشد)،فغمزني أحدهما فقال:يا عم؛هل تعرف أبا جهل؟قلت:نعم؛وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟قال:أُخبرت أنه يسب رسول الله،والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده،حتى يموت الأعجل منا،قال:فتعجبت لذلك،فغمزني الآخر فقال مثلها..."[7](هما معاذ بن عمرو بن الجموح،ومعاذ بن عفراء رضي الله عنهما). وفي النهاية اقتتل الفريقان،وكان النصر للمؤمنين،فقتل من صناديد قريش من قتل،وأسر من أسر،وانتهت المعركة بنصر حاسم للمسلمين،ولم يستشهد من المؤمنين إلا أربعة عشر صحابيا..
أيها الإخوة في الله: لقد كان في لقاء المقاومة الفلسطينية مع اليهود نفسُ الآيات والدلائل،في الرجال والنساء والولدان،قلَّةٌ مؤمنة صابرة تقاتلُ على دينها وأرضها وعرضها ضدَّ أكبر جيش في الشرق الأوسط،تعتصمُ في أرضها بنسائها وصغارها رغم الجوع والحصار والدمار،استعملَ اليهود كلَّ الأسلحة لسحق المسلمين في أرض لا تتعدَّى حجم ولاية سطيف،ثلاثةٌ وعشرونَ يومًا من النزال والمصابرة والعالمُ يتفرَّجُ بعربه وعجمه،ثم ماذا  ؟ ؛ اندحرَ اليهودُ وانكسروا كعادتهم أمام هذه القلة المؤمنة الصابرة،وخرجوا متألّمين من ضربات المقاومة،آيةٌ من آيات الله في الصمود والمقاومة ،ولا تعجب فأرضُ فلسطين مباركةٌ بما فيها ومن فيها  :        
                 خلق اللهُ للحروب رجالاً  * * ورجالاً لقصعة وثريد..!
 وربُّكَ يرزقُ المتقينَ بالأسباب وبغيرها وبضدّها..!  فلا تعجب ...!
    نسأل الله التوفيقَ إلى ما يحب ويرضى  . .  اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان،واجعلنا من الراشدين  . .
              






[1] - حسن:سنن أبي داود(2520) -مشهور حسن سلمان.
[2] - النظام الدولي الجديد(ص685).
[3] - سيرة ابن إسحاق(1/403*ابن هشام).
[4] - سيرة ابن إسحاق(1/410*ابن هشام).
[5] -أخرجه مسلم (1901)كتاب الإمارة.
[6] -أخرجه مسلم(1763) كتاب الجهاد.
[7] - :أخرجه البخاري(3988) كتاب المغازي،ومسلم(1752) كتاب الجهاد.
أكمل القراءة

كافة الحقوق محفوظة 2015 © ملتقى النبلاء / المبرمج يوسف حجاب