محاضرة ٌ رمضانية : طلب العلم فريضة على كل مسلم . . . الفريضة الغائبةُ عند الكثيرين !

محاضرة ٌ رمضانية : طلب العلم فريضة على كل مسلم
الفريضة الغائبةُ عند الكثيرين !
بسم الله و الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله وبعد : 
فإن طلب العلمِ فريضةٌ رساليةٌ اوجبها الله على كل مسلم كُلاَّ بحسبه ، و المسلمُ يطلبُ العلوم والمعارف بجميع أصنافها ولو كانت في الصين ، لأنه يؤمنُ بوجوب تحقيق الاستخلاف
و عمارة الحياة أحسن عمارة ، ولا شكّ ان علوم الدين أجلَّ العلوم على الإطلاق ، لأن الدّينَ في التصور الإسلامي الصحيح هو صمّامُ إصلاحِ الروح والجسد والدّارَين الدنيا و الآخرة ، وما الفقه في الحقيقة إلا إتقانُ سيرِ الإنسانِ في الحياة الإتقانَ الذي يُحبه الله ويرضَاه.  
فضل طلب العلم :
     عن قيس بن كثير قال : قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما أقدمك يا أخي ؟ فقال : حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : أما جئت لحاجة ؟! قال : لا . قال : أما قدمت لتجارة ؟! قال : لا . قال : ما جئت إلا في طلب هذا الحديث .
قال : فإني سمعت رسول الله r يقول : " من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر "( أخرجه الترمذي (2682) .    
    و عن أنس بن مالكt قال : قال رسول الله r :" طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم " ( حسن : مشكاة المصابيح 218 ).  قال الحافظ السخاوي في " المقاصد الحسنة ص 442 " :" قد ألحق بعضُ المصنّفين بآخر  هذا الحديث :"ومسلمة "،  وليس لها ذكرٌ في شيءٍ من طُرُقِه ، و إن كان معناها صحيحًا " بمعنى أنه يشمل المسلمات يقينًا بدون حاجة إلى هذه الزيادة .    وقد ألّف الحافظ السيوطي جزءً حديثيًّا فيه تخريج هذا الحديث من خمسين طريقًا ،  بتحقيق وتعليق فضيلة الشيخ علي حسن عبد الحميد الحلبي  .
     فالإسلام اعتبر طلب العلم فرضاً واجباً على كلّ مسلم ! . و هذا الاعتقاد هو الروح الذي يجعل المسلمَ يستمرُّ على طلب العلم ويبذل في سبيله كل شيء :
                                     و لذلك فإنّ العلم والعمل توأمانِ ، أمُّهُما علوُّ الهمّة
       هذا عبد الله بن عباس t حبر الأمة، وترجمان القرآن يقول: لما توفي رسول الله r قلت لرجل من الأنصار: يا فلان هلمَّ فلنسأل أصحاب النبي r ، فإنهم اليوم كثير . فقال: واعجباً لك يا بن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي r من ترى؟!  . قال : فتركت ذلك ، وأقبلت على المسألة فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل - أي: وقت القيلولة - فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح على وجهي التراب، فيخرج فيراني فيقول:  يا بن عم رسول الله ما جاء بك ألا أرسلت إليّ فآتيك . فأقول: أنا أحق أن آتيك . فأسأله عن الحديث ، قال : فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليّ ،  فقال: كان هذا الفتى أعقلَ مني ! .  
عشرةُ مفاتيح طلب العلم :
  و المفاتيح هي الطرق الموصلة للمراد ، والذي يريد الدخول إلى المكان المحكم المغلق بدون مفتاح لن يدخل .
  المفتاح الأول : إخلاص النية لله عز وجل :   
   فالعلم طاعة وعبادة ، والإخلاص لله تعالى واجب في جميع العبادات وسائر الطاعات قال تعالى  : ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة ) ( البيّنة : 05 ) .
  
والإخلاص في العلم أن يبتغي به وجه الله تعالى  ،  فإذا كان همُّ طالب العلم تحصيلَ شهادة ، أو تبوء منصب ، أو كسب منافع مادية ، أو صرف وجوه الناس إليه  : فإنه لا يكون مخلصا في طلب العلم .  عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلمْ: ( من تعلم علما مما يبتغي بِهِ وجه اللَّه، لاَ يتعلمه إِلاَّ ليصيب بِهِ عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يَوْم القيامة ) يعني ريحها ( صحيح : مشكاة المصابيح 227 ) . و في صحيح الجامع ( 6382 ) عن ابن عمرt قال : قال رسول الله r :" من طلب العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار " .  
المفتاح الثاني : تقوى الله عز وجل  :
   فالعلماء هم أعرف الناس بالله وأتقاهم  له وبالتقوى يزداد العالم علما ، قال تعالى ( وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ) ( : 228 ) ،  وقال سبحانه : (إ ِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) ( : 28 ) .  والتقوى هي جماع كل خير  ،  وهي التي يفرّق اللهُ بها للمؤمن و طالب العلم بين الحق والباطل ، والصحيح والسقيم ، و الغث والسمين  : قال عز وجل في سورة الأنفال : ( يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم ) ( الأنفال : 29 ) . ولهذا يؤثر عن الشافعي  رحمه الله  أنه قال‏:‏                شكوت إلى وكيع سـوء حفظـي *** فأرشـدني إلى ترك المعـاصي
                         وأخبرني   بأن العلـم نـور *** ونـور الله لا يهدى لعاصـي .
المفتاح الثالث : علو الهمّة :  
    فلا بد لطالب العلم أن تسمو همته في طلبه فيبذل ما في وسعه لتحصيله ولا يركن إلى الكسل والتواني ولا يسوّف ،  ويجعل قدوته العلماء العاملين الذين جدوا وتسابقوا في هذا الميدان:    
     ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى أن جابر بن عبد الله رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد .
    ورحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى عقبة بن عامر في مصر ليروي عنه حديثاً، وذلك ليتلقاه منه مباشرة بسند عالٍ، فقدم مصر، ونزل عن راحلته، ولم يحل رحلها، فسمع منه الحديث، وركب راحلته وقفل إلى المدينة راجعاً !  
    و قال الإمام ابن أبي حاتم الرازي :"  أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ -والفرسخ ثلاثة أميال-، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشياً، ثم إلى الرملة في فلسطين ماشياً، ثم إلى طرسوس ولي عشرون سنة " .  
   وقال - رحمه الله - :" ضاقت بنا الحال أيام طلب العلم، فعجزت عن شراء البزر - والبزر بذور القَرع -  فكنت أخرج الليل إلى الدرب الذي أنزله فأرتفق بسراج الحارس، وكان ربما ينام الحارس فكنت أنوب عنه " .  
    وهذا الإمام الشافعي رحمه الله قيل له - رحمه الله - :  " كيف شهوتك للعلم ؟ قال: أسمع بالحرف مما لم أسمعه من قبل فتود أعضائي أن لها سمعا تتنعم به مثل ما تنعمت به الأذنان . فقيل له: كيف حرصك عليه ؟ قال: حرص الجَمُوع المَنُوع في بلوغ لذته للمال . قيل: كيف طلبك له ؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره ! "  .
     ومن النماذج المهمة في علو الهمة : الإمام  أبو يوسف القاضي، كان شديد الملازمة لشيخه أبى حنيفة ، لازم مجلسه أكثر من  17 سنة ، ما فاته صلاة الغداة معه ، ولا فارقه في فطر ولا أضحى إلا من مرض ،  " روى محمد  بن قدامة ، قال : سمعت شجاع بن مخلد ، قال : سمعت أبا يوسف يقول :  " مات ابن لي، فلم أحضر جهازه ولا دفنه وتركته على جيراني وأقربائي ، مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عني ! " ( مناقب أبى حنيفة للإمام  الموفق المكي 1/472  ) .      
   قال الحافظ ابن كثير : كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج فيكتب الفائدة تمر بخاطره ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى، حتى كان يتعدد منه ذلك قريباً من عشرين مرة ! .
   وهذا ابن جرير الطبري - رحمه الله- قال  : " جاءني يوماً رجل فسألني عن شيء في علم العروض ، ولم أكن نشطت له قبل ذلك ، فقلت له : إذا كان غداً فتعال إلىَّ " ، وطلب سِفْرَ العروض للخليل بن أحمد ، فجاءوا له به فاستوعبه وأحاط بقواعده وكلياته في ليلة واحدة ، يقول : " فأمسيت غير عروضي ، وأصبحت عروضياً ".
   قال ابن القاسم :  " أنخت بباب مالك سبع عشرة سنة ، ما بعت فيها ولا اشتريت شيئاً ! .  قال: فبينما أنا عنده إذ أقبل حاج مصر، فإذا شاب متلثم دخل علينا فسلم على مالك فقال: أفيكم ابن القاسم ؟! فأشير إلي، فأقبل يقبل عيني، ووجدت منه ريحاً طيبة، فإذا هي رائحة الولد وإذا هو ابني ! " .  وكان ابن القاسم ترك أمه حاملاً به، وكانت ابنة عمه، وقد أخبرها عند سفره بطول إقامته وخيرها، فاختارت البقاء ! .  
المفتاح الرابع : الحرص على الوقت فالوقت هو الحياة ، وهو رأس مال الإنسان،  قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم   :" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ  " .
            
قال الشاعر         والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه  **  وأراه أيسرَ ما عليك يهون
        
         وقال غيره :  حياتك أنفاس تعدّ فكلما   **   مضى نفس منها انتقصت به جزءاً
 
                                                حرص العلماء على أوقاتهم :
      
قال الحسن البصري  رحمه الله   : "  أدركـت أقوامـا كانـوا على أوقاتهـم أشـد منكـم حرصـاً على دراهمكم ودنانيركم  " .
  وكان من حرصهم على العلم ومجالسه أنك تجدهم يعدون في الطرقات كأنهم مجانين؛ حتى يوفر الوقت :
    يقول شعبة رحمه الله تعالى:  " ما رأيت أحداً قط يعدو إلا قلت: مجنون أو صاحب حديث " . إما مجنون لا يبالي بأن يعدو في الطريق، أو صاحب حديث تأكله الغيرة على الوقت، فيجري بسرعة حتى يوفر الوقت ! .  
    قال أبو هلال العسكري في كتابه ( الحــث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه ص 87  ) :"  كان الخليل بن أحمد – الفراهيدي البصري أحد أذكياء العالم (100 :170) هـ يقول أثقل الساعات على : ساعة آكل فيها ! " .
   
وروى الخطيب البغدادى في كتابه ( تقييد العلم )[23] عن أبى العباس المبرد ، قال : ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة : الجاحظ – عمرو بن بحر إمام أهل الأدب ، ( 163 -255 ) والفتح بن خاقان ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي – الإمام الفقيه المالكي البغدادي ( 200 – 282 هـ ) :
 
فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع  بيده كتاب قرأه من أوله إلى آخره أي كتاب كان ، حتى إنه كان يكترى دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر في الكتب ! .
      
وأما الفتح بن خاقان فإنه كان يحمل الكتاب في كمه ، فإذا قام من بين يدي المتوكل للبول أو للصلاة ، أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي ، حتى يبلغ الموضع الذي يريده ، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه ، إلى أن يأخذ مجلسه ، فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة أخرج الكتاب من كمه وقرأه في مجلس المتوكل إلى حين عوده   !
 
وأما إسماعيل بن إسحاق القاضي فإني ما دخلت عليه قط إلا رأيته وفي يده كتاب ينظر فيه أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه أو ينفض الكتب " .
المفتاح الخامس : الصبر والتحمل :      
    
    طريق العلم ليس مفروشا بالورود والرياحين بل إنه يحتاج إلى صبر ويقين وعزيمة لا تلين ، حتى يصير ذلك للطالب طبعًا وعادة وله فيه لذّة  : 
                        وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ****** فإن أطمعت تَاقَت وإلا تسلتِ
                     والنفس كالطفل إن تهمله شب على ***** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
     قال ابن القاسم :" أفضى بـمالِكٍ طلب الحديث إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه "  .  
 قال عمر بن حفص الأشقر  :   " فقدنا البخاري أياماً من كتابة الحديث في البصرة، فطلبناه فوجدناه في بيت وهو عريان، وقد نفد ما عنده ، ولم يبق معه شيء ، فجمعنا له دراهم حتى اشترينا له ثوباً وكسوناه ، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث رحمه الله تعالى "  ! .  
 وقال الوخشي أبو علي الحسن :  " كنت بعسقلان أسمع من ابن مصحح وغيره، فضاقت علي النفقة، وبقيت أياماً بلا أكل، فأخذت لأكتب فعجزت، فذهبت إلى دكان خباز وقعدت بقربه لأشم رائحة الخبز وأتقوى بها، ثم فتح الله تعالى علي ".
   ويقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى :  " لقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل؛ لأجل ما أطلب وأرجوا كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث رسول الله r وأحواله وآدابه وأحوال أصحابه والتابعين  " .
المفتاح السادس : تأسيس العلم عن طريق الأساتيذ والمشايخ :  بالطلب على يديهم و طلب نصحهم واستشارتهم و سؤالهم ، ثم لا بأس بعد ذلك من الاعتماد على بقية المصادر من كتب و تسجيلات و غيرها .  قال الشيخ أبو سعيد بلعيد الجزائري :"  إن كون أخذ العلم من الكتب والأشرطة أمرًا خطيرًا هو على شخص خالي الذهن ، ويريد تعليم نفسه بمطالعة الكتب وسماع الأشرطة ، أما من طلب العلم من أفواه أهل العلم و أسّس نفسه على ذلك فلا مانع من الازدياد من العلم عن طريق الكتب و الأشرطة لأن لديه مفاتيح الكتب والأشرطة والعلوم التي فيها " ( برنامج تفصيلي لطلب العلم ص 10 ) .
المفتاح السابع : التدرّج في الطلب :
    الصبر على الترتيب الصحيح الذي أرشد إليه العلماء حتى يثمر لك الرسوخ ، الأهم فالمهم  : فرض العين قبل فرض الكفاية ، و المختصر قبل المطوّل وهكذا  :   قال الإمام الزهري ليونس بن يزيد :" يا يونس لا تكابر العلم ، فإنّ العلم أودية ، فأيّها أخذت فيه قطع بك قبل أن تُبَلَّغَه ، ولكن خذه مع الأيّام والليالي ، ولا تأخذ العلم جملةً فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة ، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي و الأيام " ( جامع بيان العلم 1/431 ) .  
المفتاح الثامن :  الحرص على  كتابة العلم و تقييده :   
  تقييد العلم بالكتابة أمانٌ من الضياع ، و قصر لمسافة البحث عند الاحتياج ،  فاجعل لنفسك كنّاشًا أو دفترًا لتقييد الفوائد والفرائد و والأبحاث المنشورة ولا بأس باستعمال غلاف الكتاب و أوراقه الفارغة لتقييد ما فيه من نفائس الفوائد
 قال النبي r :" قيّدوا العلم بالكتاب "  ( صحيح الجامع : 4434 ) .  وقال الشعبي :" إذا سمعت شيئًا فاكتبه ولو في الحائط " ( النبذ 97 ) .  و قال عبد الرحمن بن مهدي :"  ربما كنت أماشي عبد الله بن المبارك فأذاكره بالحديث فيقول : لا تبرح حتى أكتُبَه " ( الحلية 3/9 ) . 

المفتاح التاسع : حفظُ العلم و مذاكرته و مراجعته :
   
   لا بُدّ من تعاهد المحفوظ و مذاكرته بين الحين والحين  و إلا ذهب  :  
قال إبراهيم النخعي : " من سرَّه أن يحفظ الحديث ، فليحدث به ، ولو أن يُحَدِّث به من لا يشتهيه ،
فإنه إذا فعل ذلك كان كالكتاب في صدره " .
    وعن ابن شهاب أنه : " كان يسمع العلم من عروة وغيره ، فيأتي إلى جارية له -وهي نائمة- فيوقظها ، فيقول :"اسمعي حدثني فلان كذا وفلان كذا" ، فتقول :"مالي وما لهذا الحديث؟" فيقول : "قد علمت أنكِ لا تنتفعين به ، ولكن سمعته الآن فأردت أن أستذكره " .
   وقال زياد بن سعد :  " ذهبنا مع الزهري إلى أرضه بالشعب ، قال: وكان الزهري يجمع الأعاريب فيحدثهم ، يريد الحفظ " .  
    وكان بعضهم يذاكر العلم مع نفسه فتراه يجلس وحده ، ويرفع بالعلم صوته ، حتى يحفظه ، يقول جعفر بن المراغي :  " دخلت مقبرة بتُستر ، فسمعت صائحا يصيح : والأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة" ، ساعة طويلة ، فكنت أطلب الصوت ، إلى أن رأيت ابن زهير ، وهو يدرس مع نفسه من حفظه حديث الأعمش " . 
المفتاح العاشر : العمل بالعلم :  فقد مدح الله عز وجل في كتابه الكريم العاملين بما علموا : قال تعالى : ( فَبَشِّرْ عِبَادِ {17} الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَاب ) ( الزمر: 17-18 ) . كما ذم ربنا سبحانه أولئك الذين لم ينفعهم علمهم وشبههم بالحمار الذي يحمل أسفارا لا يعرف قيمتها ، قال سبحانه : (  مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .  وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد t قال سمعت رسول الله  r يقول  ( " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلانا ما شأنك؟ أليس كنت تأمرننا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه " .
 
المفتاح الحادي عشر : الدعوة إلى الله تعالى والاجتهاد في نشر العلم  : قال تعالى ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .  فالداعية لا بد وأن يستغل كل مناسبة و يدعو إلى تعالى في شتى الميادين في المسجد وفي المدرسة وفي السوق وفي الأعياد والمناسبات  ، قَالَ رَسُول اللّه r :" نضر اللّه عَبْدا سمع مقَالَتي فوعاها، ثُمَّ بلغها عَنْي "   . 

هل أعجبك الموضوع ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كافة الحقوق محفوظة 2015 © ملتقى النبلاء / المبرمج يوسف حجاب