سلسلة مقالات النبلاء ( 4 ) : لمساتٌ نَفْسِية فيِ التّسَامُح للأستاذ المدرب : حمزة بن قاطي حفظه الله

سلسلة مقالات النبلاء ( 4 ) 
لمساتٌ نَفْسِية فيِ التّسَامُح

للأستاذ المدرب : حمزة بن قاطي حفظه الله وسدد على درب الخير خطاه .


        ما أجمل أن  نتكلم عن قيمة نفسية رائعة بها ارتقى أنُاسٌ  أيّما ارتقاء فاستأهلوا أن تُملأ صفحات التاريخ بعِظَم صنيعهم ، بعدما تعرضوا لمواقف سلبية ،  مُسيئة ، مُهينة ، في نظر معظمهم   لكنها كانت مواقف أثبتوا فيها رُقيهم و اتِّزانهم  النفسي ، ألا وهي قيمة التسامح  . . !  
يتساءل البعض، كيف أسامحُ من أساء إليّ ؟ أو يقول لك : أسامح !!!  :
 فِعلاً يصعُب على الكثير ذلك !  . .أعلمُ هذا . .   و لأنه تعرض  لإساءةٍ و آثارها بقيت  راسخةً في ذهنه!  ، فهو دائما في سفر إلى  ذلك الماضي يجلُب منه  تلك الخبرات المؤلمة و يستعيد الأحداث بنفس إيقاعها و أصواتها و صورها و  يستعيدها كأنها تحدث له الآن  . .  آه يا لَلْألَم  . .! 
   و لا يتوقّف عند هذا ؛  بل يتخيل التجربة تتكرّر له في المستقبل  . .  فيعيشُ دائما في صراعٍ مع الماضي . . و الرغبةِ في أن يُنصفهُ أحدهم  و ينتقم له  من الآخر . . ! كالذي يريد أن ينتقل إلى الضفة الأخرى من الوادي لكنّه محملٌ بأثقال كثيرة مع أنها في الحقيقة لا تنفعه أبدا لكنه يُجهدُ نفسه بحملها  . . !
تخَفّف أخي أرجُوك . . ! 
 فقد أثبتت البحوث الإكلينيكية أن العيش بعاطفة الحقد يجعل جسم الإنسان دائما في حالة اِستِثارة مما يستهلك طاقاته  ، فبدلا من أن يوجه جهاز المناعة  لديه لحمايته من الأمراض يسمح بأن يكون فريسة سهلة للإجهاد النفسي ، و كثيرا من الأمراض منها  السكر ي و ارتفاع ضغط الدم  آلام الظهر ، آلام الرقبة ، الصداع ،القُرحة  المَعِدية ، الاكتئاب ، قلة الطاقة ، ضعف الذاكرة ، القلق ، الأرق،  الخوف،  التعاسة ، و تصل حتى للإصابة بمرض  السرطان  عافانا الله و إياكم .
قد يقول لك أحدهم" أسامح !  " هذا ضعف ! : 
  أبدًا ليس ضعفا بل هو  في الحقيقة قوةٌ لأنه من سمات الأقوياء ،  أنت قوي لأنك تستطيع أن تتغلب على نفسك ، أنت الأقوى لأنك تستطيع أن تقف في وجه من ظلمك لكن تسامحه ، و لأن الله طلب منك هذا فأنت قوي بطاعته و الخوفُ من عقابه و أنت بالتسامح قريبٌ من  عفو الله قريب من الناس و أفضل صِحيا .
   التسامح هو أن ننسى الماضي الأليم و  نقرر ألا نعانى أكثر ، هـو أن تتخلى عن الرغبة في الانتقام من الآخرين لأنهم آذوك ذات يوم ، و  أن نفتح أعيننا على مزاياهم  دون أن نحاكمهم .
و أولى خطوات المسامحة أن تضع نفسك مكان من أساء لتفهم دوافعه و أسباب  عجزه و اندفاعه، ثم حول الموقف إلى درسٍ للتسامح تتدّربُ عليه و  تعلّمه للآخر .

  يقول د  عائض القرني – حفظه الله -  :"  . .  إن ملف الماضي عند العقلاء يُطوى و لا يُروى لأن القراءة في دفتر الماضي ضياع للجهد و نسف للساعة الراهنة ، بِبُكائِنا على الماضي نهمل القصور الجميلة ونندُب الأطلال البالية إنّ القافلة تَسيرُ إلى الأمام فلا تخــــالف سُنّة العيش  . . " . 

              اللهم نفسِي راضِيَةٌ  سامَحتْ كُلّ من أساءَ إلي . . !

                                 إلى الأمَامَ  . . وكفَى  . . !

                                                       ودمتم طيّبين أيها النبلاءُ الأكارِم . . 


                             




هل أعجبك الموضوع ؟

هناك تعليق واحد:

  1. بسم الله الرحمن الرحيم ،السلام عليكم جميعا ،وتحية طيبة خاصة للشيخ الدكتور رشيد بوعافية إمام مسجدنا :أشكرك زميلي وصديقي الأستاذ حمزة على هذا التفكير الابداعي الجميل الإيجابي ، واصل ، واصل ، واصل ....أزف لك تحية رياضية (Oss) ، أحب أن اشاركك الرأي فيما ذهبت إليه من كلمتك :

    إن فضيلة و مبدأ التسامح في القرآن الكريم يتمثل في الآيات الكريمة المتفرقة التي تدعو الى ( العفو ) و ( الصفح ) و ( الإحسان ) و ( دفع السيئة بالحسنة ) و ( الإعراض عن الجاهلين ) وغير ذلك من المعاني التي تلتقي بالتسامح وتنطلق منه. فنحن نقرأ الآيات الكريمة التالية: يقول تعالى:( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ) ويقول تعالى: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ. ]فمبدأ (التسامح) يمثل ( الأسلوب المسالم الوديع الذي يواجه به الإنسان اعتداء الآخرين عليه وإساءتهم الى حقوقه) فهو يهدف الى أن يجعل من الانسان المعتدى عليه إنساناً مثاليا تنبع الرحمة من قلبه لتنطلق في حياة الآخرين محبة وسلاماً ، ويتدفق الخير من روحه ليفيض على مجتمعه نعمة وهناء....وكثيرة هي قصص وأمثلة التسامح في ديننا فإليك أهدي ..أروع قصة في المحبة والتسامح.....
    اجتمع الصحابة في مجلس ولم يكن معهم الرسول عليه الصلاة والسلام ..فجلس خالد بن الوليد .. وجلس ابن عوف .. وجلس بلال وجلس أبو ذر ..وكان أبو ذر فيه حدة وحرارة فتكلم الناس في موضوع ما ..فتكلم أبو ذر بكلمة اقتراح: أنا أقترح في الجيش أن يفعل به كذا وكذا .
    قال بلال : لا .. هذا الاقتراح خطأ .
    فقال أبو ذر : حتى أنت يا ابن السوداء تخطئني .!!!
    فقام بلال مدهوشا غضبانا أسفا ..
    وقال : والله لأرفعنك لرسول الله عليه الصلاة والسلام ..
    وأندفع ماضياً إلى رسول الله .
    وصل للرسول عليه الصلاة والسلام ..
    وقال : يا رسول الله .. أما سمعت أبا ذر ماذا يقول في ؟
    قال عليه الصلاة والسلام : ماذا يقول فيك ؟؟
    قال : يقول كذا وكذا ...
    فتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم ..
    وأتى أبو ذر وقد سمع الخبر .. فاندفع مسرعا إلى المسجد ..
    فقال : يا رسول الله .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    قال عليه الصلاة والسلام : يا أبا ذر أعيرته بأمه .. إنك امرؤ فيك جاهلية .!!
    فبكى أبو ذر رضي الله عنه.. وأتى الرسول عليه الصلاة والسلام وجلس ..
    وقال يا رسول الله استغفر لي .. سل الله لي المغفرة !
    ثم خرج باكيا من المسجد ..
    وأقبل بلال ماشيا ..فطرح أبو ذر رأسه في طريق بلال ووضع خده على التراب ..
    وقال : والله يا بلال لا ارفع خدي عن التراب حتى تطأه برجلك ..
    أنت الكريم وأنا المهان ..!!
    فأخذ بلال يبكي .. وأقترب وقبل ذلك الخد ثم قاما وتعانقا وتباكيا .
    (ابن الشيخ البدري حي الفيراي )

    ردحذف

كافة الحقوق محفوظة 2015 © ملتقى النبلاء / المبرمج يوسف حجاب