كلمة : منزلة الشوق إلى لقاء الله

                                       منزلة الشوق إلى لقاء الله

  حديثنا اليوم عن أعظم منزلة وأشرف مقام وأعلى درجة من درجات الإحسان :
  قال تعالى : [مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  ] ( العنكبوت : 05 ) . قال أبو عثمان الحيري : " هذا تعزيةٌ للمشتاقِين " .  وقد كان النبي r يسأل الله إياها :" و أسألكُ لذّةَ النظر إلى وجهك والشوقَ إلى لقائِك "  رواه أحمد .
   منشأُ الشوق إلى لقاء الله و حقيقته :
    لمّا آمنَ العبدُ بوجودِ الله  //// و لما تعرّفَ على الله تعالى بأسمائه وصفاته و أفعاله و آثاره في النفسِ و الكون والحياة  //// و لما ذاقَ العبدُ لذّةَ السيرِ إلى اللهِ و القُربِ منه سبحانه بصنوفِ العبادَات و الإحسان فأرثَ له ذلك حُبّ اللهِ و الأنسَ به سبحانه  //// و لمّا حصَلَ الوعدُ باللّقاء و الرؤية :
   = أورثَ له ذلكَ شوقًا و  طلبًا لا ينقطع :  فالشوقُ إلى الله ينشأُ من وجودِ هذه الأربعة  ، و كمالُهُ بحسبِ كمال هذه الأربعَة ،  وهو  لذةٌ حقيقيّةٌ لا تُدركُ بالعِلمِ و الحَد إنّمَا تُنالُ بالتلذُّذِ و الجِد .  
     فلا يتحصّلُ إدراكُهُ إلا لمن عاش مع محبوبِهِ حقًّا حقًّا تعبُّدًا ورِقًّا ! .   
   و لذلكَ قال ابن القيم رحمه الله في تعريف الشوق  :" الشوقُ سفرُ القلبِ في طلبِ محبوبِه ، بحيثُ لا يقَرُّ قرارُهُ حتى يظفَرَ به و يحصُلَ له " .
     و لذلكَ اشتدَّ شوقُ الأنبياء و الصالحين إلى الله ربّ العالمين لأنّهُم  عرفُوا و ذاقُوا كُلاًّ بحسبه:
آدم عليه السلام : لا يتصوّرُ أحدٌ شوقَهُ إلى الله فهو الذي خلقَهُ اللهُ بيدِهِ و كلّمَهُ ثم أهبطه إلى الأرض : ففي الصحيحة ( 3289) عن أبي أمامة أن رجُلاً قال للنبي r : أنبيًّا كان آدم ؟، فقالr : " نعم ، معلَّمٌ مُكَلّم " .  فكم بكَى آدمُ عليه السلام بعدما أُهبطَ من الجنّة ، كُلّما تذكّرَ الجنّة قلِق ، وكُلّما رأى صعودَ الملائكة يحترق [ ففي الرّقّة والبكاء لابن أبي الدنيا عن مجاهدٍ عن ابن عباسٍ موقوفًا قال : "  نَزَلَ آدَمُ بِالْحَجَرِ يَمْسَحُ بِهِ دُمُوعَهُ حِينَ أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَلَمْ تَرْقَأْ عَيْنُ آدَمَ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهَا )  ، وكان لما يقول له بعضُ أولاده : لقد آذيت من في الأرض بطول بُكائك . يقول عليه السلام:  أَنَا أَبْكِي عَلَى أَصْوَاتِ الْمَلائِكَةِ حَوْلَ الْعَرْشِ )  و قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى جِوَارِ رَبِّي فِي دَارٍ تُرْبَتُهَا طَيِّبَةٌ ، فِيهَا أَصْوَاتُ الْمَلائِكَةِ  ]   الله أكبر ! .
   لسانُ حاله:
سلامٌ على تلكَ العهودِ و أهلِها 
سلامَ مَشُوقٍ ذاقَ ما كنتُ ذُقتُهْ
سأبكِي الدّمَا شوقًا إلى ساكِنِ الحمى
فأُفْنِي به كنزَ اصطِبارٍ ذخَرتُهْ
و لم أبكِ بُعدَ الدّارِ عنّي و إنّمَا  
بكيتُ لصبرٍ كانَ لي فَعُدِمتُه
موسَى عليه السلام  :
  التكليمُ الأول له كان في طريقه من مَدينَ إلى مصر .
   ثم :  قال الله تعالى : [وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ] ( الأعراف: 142 ) .  علّق موسى عليه السلام قلبَهُ بالميعَاد . ومن شِدّة شوقه عليه السلام صام الأيّام الثلاثين فلمّا تمت استاكَ بِلِحَاءِ شجرة فأمره ربّهُ أن يزيدَ عشرًا فتم الميقاتُ أربعين ليلة .
    و قد صُمتُ عن اللذّاتِ دهري كُلّها 
        و يومَ لقاكُم ذاكَ فطرُ صيامِي
و قد كان موسى عليه السلام يقول لقومه : من كانت له رسالةٌ إلى الله فليأتني ، يريدُ أن يستكثرَ عليه السلام من وقت الكلام مع الله
    فلما تم الميقاتُ و عزم موسى على الذهاب إلى الطور [ ميعاد استلام التوراة في ألواح ] استعجَل قبل قومِه من شدّة الشوق إلى الله : قال تعالى : [وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى ( 82) قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى] ( طه : 82-83) .
      قال تعالى  : [ وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي : أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ {143} ‏ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ {144} وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِين ] ( الأعراف: 143-146 )  [ قال ابن كثير – رحمه الله- :" في الكتب المتقدّمة أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام :  " يا موسَى ، إنه لا يراني حيٌّ إلا مات ، ولا يابسٌ إلا تدَهْدَهْ " 2/359 ، قال ابن عباس  : " ذاكَ نورُهُ إذا تجلّى لشيءٍ لا يقومُ له شيء " . ///  و مثاله في صحيح مسلم : " إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه  " . ] . 
  و هكذا عن موعد لقاء الاعتذار  : [ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِين ] ( الأعراف: 155 )
     الرؤية و الكلام لا تحصلُ إلا يوم القيامة  فقدّم الثمن و استعن بالله :
  قال تعالى: [  وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبّها ناظِرَةٌ) [القيامة:22-23) .
   عن أَبي رَزِينٍ العقيلي رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَرَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: يَا أَبَا رَزِينٍ ((أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ مُخْلِياً بِهِ))، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: ((فَاللَّهُ أَعْظَمُ، وَذَلِكَ آيَةٌ فِي خَلْقِه [رواه ابن ماجة برقم (176)، وحسنه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم برقم (459-460) ]
    و قيل لابن عباس رضي الله عنهما: كل من دخل الجنة يرى ربه عز وجل؟ قال: نعم [الشريعة لأبي بكر محمد بن الحسين الأجري (245) ]   .
    في صحيح مسلم يقول النبي r :"  إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو ألم يثقل موازيننا ألم يبيض وجوهنا ألم يجرنا من النار فيكشف الحجاب فيرون وجه ربهم تبارك وتعالى فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم هو أعظم ولا أجل من رؤية وجه الله تبارك وتعالى  "
عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: "كنا جلوساً ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال : " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون  " أي: لا تزدحمون ولا يلحقكم ضيم ومشقة  " في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ [وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ] ق:39 رواه البخاري برقم (4473) .  قال الإمام الخطابي: "هذا يدل على أن الرؤية قد يرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين [فتح الباري لابن حجر (2/34) تحقيق: محب الدين الخطيب، دار المعرفة - بيروت.

هل أعجبك الموضوع ؟

هناك تعليق واحد:

  1. ليت الذي بيني بينك عامر ........و بيني و بين العالمين خراب

    ردحذف

كافة الحقوق محفوظة 2015 © ملتقى النبلاء / المبرمج يوسف حجاب