مسألة فقهية : أحكام الخيار في البيع

مسألة فقهية  :  أحكام الخيار في البيع

تعلّم أيها النبيل :

    كل من يمارس البيع و التجارة أو يدخل سوق المعاملات التجارية فقد أوجب الله عليه تعلم فقه البيع والشراء و التعامل التجاري ، أو على الأقل سؤال أهل العلم قبل الإقدام على المعاملات لتتم في جوٍّ من التقوى و رعاية الحقوق و الواجبات :
    و لذلك قال رسول الله r:"إن الله تعالى يبغض كُلَّ عالم بالدنيا جاهل بالآخرة"[1].  إذ لا فائدةَ في العلم بأحوال الدنيا و قوانين إصلاحِها مع الجهل بأحوال الآخرة وقوانين إصلاحِها ، لأن الآخرةَ خيرٌ و أبقَى وهي دارُ القرار .

     وعن البراء بن عازب t أن رسول الله r قال:"إن التجار يحشرون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى وبر وصدق"[2].  فالسلامةُ من الحشر مع الآثِمِينَ الفجرة ثمنُها تحقيق التقوى و البر والصدق  ، وهي كُلّيّات السلامَة و ركائزُ أخلاق التاجر المؤمن  .
    وعن قيس بن أبي غرزة الغفاري t قال: خرج علينا رسول اللهr ونحن نسمى " السماسرة  = الوسطاء "فقال :" يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع ، فشوبوا بيعكم بالصدقة"[3]. أي داوِمُوا على التصدُّقِ نصًّا ، والاستغفارِ و التوبَة والمحاسَبَة قياسًا ، للتغلّب على الشيطَان و تحقيق السلامة من الإثم ، فإن الحسنات يُذهِبن السيئَات .   

    هذا و لما كان البيع والشراء قد يقع بلا تفكر ولا ترو، فيحصل للبائع والمشتري نَدَمٌ على فوات بعض مقاصده ، جعل له الشارع الحكيم حقا معينا يمكنه من إمضاء عقد البيع أو فسخه ، تحسينا للمعاملة بين الناس وحفظا للحقوق وتطييبا للنفوس .
  وهذا يسمّى في الفقه الإسلامي   " الحق في الخيار " .

أقسامه:
1-              خيار المجلس:  المجلِسُ هو ما تعارفَ الناسُ على كونِهِ ميدانًا للتعاقُد .  و المقصود : مادامَا في مجلس التعاقُد فلكُلٍّ منهما الحق في الخيار ، وهذا من " هوامش الإحسان " التي حفظها الشارع لكليهما تطييبًا للنفوس :
    قال رسول الله r:"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا،فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما،وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما"[4]. ويثبت هذا الحق للمتبايعين ماداما في مجلس العقد،فإذا افترقا بأبدانهما،افتراقا يتعارف الناس عليه،أو عقد البيع على أن لا خيار بينهما،فقد تم العقد،ولا يجوز لأحدهما الفسخ إلا بطريق الإقالة،والإقالة هي التراجع عن العقد بسبب العثرة و الندم الذي يكون من البائع والمشتري، عن أبي شريح قال: قال رسول الله r:" من أقال أخاه بيعا أقال الله عثرته يوم القيامة"[5].
صدقا وبينا : البائع والمشتري:
      - فإن صدقا وبينا : صدقا في ذكر المحاسن وبيان العيوب الظاهرة والباطنة (في البيوت،والسيارات،والأنعام،والمصنوعات...) .
     - وإن كتما وكذبا : كتما العيوب والنقائص وكذبا في المحاسن والمزايا والأوصاف ،وخاصة باستعمال اليمين والحلف،قال r:"إياكم وكثرةَ الحَلِف ، فإنه ينفق ثم يمحق"[6].
كيف يكون الكتمان والكذب من المشتري؟
   أمثلة: يقول المشتري للبائع خداعا وكذبا وكتمانا:
-       "هذه السلعة قديمة ( غلبانة ) وربما غير صالحة ، وأنا أشتريها للاستخدام المؤقت فقط " ، وهو يعلم صلاحها ، ويكتم ذلك على أخيه المسلم ليغرّر به فيبيع  ! . لا وجود لمثل هذا التغرير في السوق الإسلامي .
-       "هذه السلعة الآن غير مستعملة ، وأنا أشتريها لأضعها في المحل أو أدخل بها السوق ، وقد لا تباع مرة أخرى"!،وهو يعلم أنها نفيسة غالية مطلوبة ويكتم ذلك على أخيه المسلم !  .  لا وجود لمثل هذا التغرير في السوق الإسلامي .
2-  النوع الثاني :  خيار الشرط :
وهو أن يشرطا أو أحدهما الخيار إلى مدة معلومة (للتأكد من الوصف، أو الامتحان، أو القياس، أو المشاورة . . ) ، فيصح إن اتفقا على ذلك وإن طالت المدة: قال رسول اللهr:"إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا أو يكون البيع خيارا"[7].
     فتكون السلعة وديعة عند المشتري مدة الخيار فقد يظهر للبائع الرجوع عن البيع،وتكون الدراهم وديعة عند البائع مدة الخيار فقد يقرر المشتري الرجوع عن الشراء،ويأثم كل منهما بالتفريط في الوديعة والأمانة: قال الله تعالى:﴿ فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه (البقرة:283) .  
2-             النوع الثالث :  خيار العيب :
  ويكون هذا الحق حين يكتشف المشتري عيبا في السلعة لم يذكره البائع، ويكون هذا العيب مؤثرا في السلعة و معتبرا في العرف :
   قال رسول الله r:" المسلم أخو المسلم،ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له"[8]، وقال رسول الله r:"لا تصروا الإبل والغنم،فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها،إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاع تمر"[9] [ صر الإبل و الغنم ربط الضرع ليكثر اللبن و تظهر نفيسة تدر الحليب ] .ويجب على البائع أن يرد الثمن للمشتري أو يدفع له مقدار الضرر بتقدير الخبراء .
                                 و بارك الله لي ولكم في العلم والعمل  .
              




[1] -  رواه الحاكم وغيره،وهو في صحيح الجامع الصغير(1879).
[2] - السلسلة الصحيحة(1458)،وصحيح الترغيب والترهيب(1785).
[3] - صحيح الجامع الصغير(7850-7851).
[4] - أخرجه البخاري ومسلم.
[5] - الصحيحة(2614).
[6] - رواه مسلم.
[7] - متفق عليه.
[8] - صحيح سنن ابن ماجه(2246).
[9] - صحيح سنن ابن ماجه(7347)..

هل أعجبك الموضوع ؟

هناك تعليق واحد:

  1. الله المستعان ياإمام
    عبد الرزاق

    ردحذف

كافة الحقوق محفوظة 2015 © ملتقى النبلاء / المبرمج يوسف حجاب